غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
ثم استشهد على ذلك بقوله ﴿ولقد أخذناهم﴾ أي قبل ذلك ﴿بالعذاب﴾ يعني ما جرى عليهم يوم بدر ﴿فما استكانوا لربهم﴾ أي ما خضعوا له وقد مر اشتقاقه في " آل عمران " ﴿وما يتضرعون﴾ عدل إلى المضارع لأنه أراد وما من عادة هؤلاء أن يتضرعوا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿من خشية ربهم مشفقون﴾ إشارة إلى استيلاء سلطان الهيبة في الحضور والغيبة ﴿بآيات ربهم يؤمنون﴾ هي ما يكاشف لهم من شواهد الحق في السر والعلانية ﴿بربهم لا يشركون﴾ هو ترك الملاحظة في رد الناس وقبولهم ومدحهم وذمهم وانقطاع النظر في المضار والضار عن الوسائط والأسباب ﴿يسارعون في الخيرات﴾ يتوجهون إلى الله وينقطعون عما سواه ﴿وهم لها سابقون﴾ على قدر سبق العناية ﴿ولا نكلف نفساً إلا وسعها﴾ كلفهم أن يقولوا لا إله إلا الله وهم قادرون على ذلك، وأمرهم بقبول دعوة الأنبياء وما هم بعد بعاجزين عنه، وقد كتب في اللوح أنهم يقدرون على هذه التكاليف. ﴿وهم لا يظلمون﴾ فلا يكلفون ما ليس في وسعهم واستعدادهم ﴿وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها﴾ مجرميهم بعذاب فساد الاستعداد لفسدت سموات أرواحهم وأرض نفوسهم ومن فيهن من القلب والسر ﴿وهو خير الرازقين﴾ فيه أن العلماء بالله عليهم أن لا يدنسوا وجوه قلوبهم الناضرة بدنس الأطماع الفارقة. ﴿ولقد أخذناهم﴾ أولاً بعذاب الغبن ﴿حتى إذا فتحنا عليهم﴾ باب عذاب الرين يحيي بنوره قلوب بعض عباده ويميت نفوسهم عن صفاتها الذميمة، أو يحيي بعض النفوس باتباع شهواتها ويميت بعض القلوب باستيلاء ظلمات الطبيعة عليها ﴿وله اختلاف﴾ ليل البشرية ونهار الروحانية أو طول ليل الفراق وقصر نهار الوصال ﴿قالوا أئذا متنا﴾ فيه أن اليأس من الوصول والوصال ليس من شيم أهل الكمال فقد تقوم قيامة العشق فيبعث القلب الميت ﴿أو من كان ميتاً فأحييناه﴾ ملكوت كل شيء هي جهة روحانيته ﴿وهو يجير﴾ الأشياء بقيوميته عن الهلاك ولا مانع له ممن أراد به أن لا يجيره.