البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
﴿ولقد أخذناهم بالعذاب﴾، وهو ما أصابهم يوم بدر من القتل والأسر، وهو قوله - تعالى - في الدخان ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان: ١٦]. ﴿فما استكانُوا لربهم﴾ بذلك، أي : لم يخضعوا ولم يتذللوا. و " استكانوا " : افتعل من السكون، والألف زائدة، أو استفعل من الكون، أي : انتقل من كون إلى كون، كاستحال، إذا انتقل من حالٍ إلى حال ؛ لأن الخاضع ينتقل من كون إلى كون ﴿وما يتضرعون﴾ أي : وليس من حالهم التضرع إليه تعالى، وعبَّر بالمضارع، ليدل على الاستمرار، أي : ليس شأنهم التضرع في هذه الحالة وغيرها، أو : فما استكانوا فيما مضى، وما يتضرعون فيما ينزل بهم في المستقبل، والمعنى : تالله لقد أخذناهم بالعذاب، وقتلناهم بالسيوف، وما جرى عليهم يوم بدر من قتل صناديدهم، فما وُجدت، بعد ذلك، منهم استكانة ولا تضرع.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : أهل الغفلة والبُعد لا يرجعون إلى الله في السراء ولا في الضراء ؛ لانهماكهم في الغفلة والقساوة، وأهل اليقظة يرجعون إلى الله في السراء والضراء، في السراء بالحمد والشكر، وفي الضراء بالصبر والرضا والتسليم، مع التضرع والابتهال ؛ عبوديةً، والمقتصدون يرجعون إليه - تعالى - في الضراء، ويغفلون عن الشكر في السراء، والأول ظالم لنفسه، والثاني سابق، والثالث مقتصد. وبالله التوفيق.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى