التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
الويل : لفظ دال على الهلاك أو الشر، وهو اسم لا فعل له من لفظه.. وقيل : هو اسم واد فى جهنم.
و ﴿المطففين﴾ جمع مطفف، من الطفيف، وهو الشئ التافه الحقير، لأن ما يغتاله المطفف من غيره شئ قليل. والتطفيف : الإِنقاص فى المكيال أو الميزان عن الحدود المطلوبة.
قال الإِمام ابن جرير : وأصل التطفيف، من الشئ الطفيف، وهو القليل النزر. والمطفف : المقلل صاحب الحق عَمَّا له من الوفاء والتمام فى الوكيل أو وزن. ومنه قيل للقوم الذين يكونون سواء فى حسبه أو عدد : هم سواء كطف الصاع. يعنى بذلك كقرب الممتلئ منه ناقص عن الملء..
وقوله :﴿اكتالوا﴾ من الاكتيال وهو افتعال من الكيل. والمراد به : أخذ مالهم من مكيل من غيرهم بحكم الشراء.
ومعنى :﴿كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ﴾ : كالوهم أو وزنوا لهم، فحذفت اللام، فتعدى الفعل إلى المفعول، فهو من باب الحذف والإِيصال.
فالواوان فى ﴿كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ﴾ يعودان إلى الاسم الموصول فى قوله :﴿الذين إِذَا اكتالوا﴾ والضميران المنفصلان " هم "، يعودان إلى الناس.
قال صاحب الكشاف : والضمير فى ﴿كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ﴾ ضمير منصوب راجع إلأى الناس. وفيه وجهان : أن يراد : كالوا لهم، أو وزنوا لهم فحذف الجار، وأوصل الفعل، كما فى قول الشاعر :
ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر
بمعنى جنيت لك. وأن يكون على حذف مضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، والمضاف هو المكيل أو الموزون..
والمعنى : هلاك شديد، وعذاب أليم، للمطففين، وهم الذين يبخسون حقوق الناس فى حالتى الكيل والوزن وما يشبههما، ومن مظاهر ذلك أنهم إذا اشتروا من الناس شيئا حرصوا على أن يأخذوا حقوقهم منهم كاملة غير منقوصة، وإذا باعوا لهم شيئا، عن طريق الكيل أو الوزن أو ما يشبههما ﴿يُخْسِرُونَ﴾ أى : ينقصون فى الكيل أو الوزن.
يقال : خسَر فلان الميزان وأخْسَره، إذا نقصه، ولم يتممه كما يقتضيه العدل والقسط.
وافتتحت السورة الكريمة بلفظ " الويل " للإِشعار بالتهديد والتشديد، والوعيد الأليم لمن يفعل ذلك. وقوله ﴿ويل﴾ مبتدأ، وهو نكرة، وسوغ الابتداء به كونه دعاء. وخبره " للمطففين ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى