غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراآت ﴿بل ران﴾ حفص يقف على ﴿بل﴾ وقفة يسيرة ومع ذلك يصل. وقرأ الحلواني عن قالون مظهراً ﴿ران﴾ بالإمالة : حمزة وعلي وخلف وحماد ويحيى ﴿تعرف﴾ مبنياً للمفعول ﴿نضرة﴾ بالرفع : يزيد ويعقوب ﴿خاتمه﴾ بالألف بعد الخاء والتاء مفتوحة : عليّ. ﴿أهلهم﴾ بكسر الهاء والميم : أبو عمرو وسهل ويعقوب، وقرأ حمزة وعلي وخلف بضمهما. الباقون : بضم ميم الجمع فقط ﴿فكهين﴾ مقصوراً : يزيد وحفص ﴿هل ثوب الكفار﴾ بالإدغام : حمزة وعلى وهشام.
التفسير : إنه سبحانه لما ذكر في السورة المتقدمة بعض أشراط الساعة وأخبر عن طرف من أحوالها وأهوالها صدّر هذه السورة بالنعي على قوم آثروا الحياة الزائلة على الحياة الباقية، وتهالكوا في الحرص على استيفاء أسبابها حتى اتسموا بأخس السمات وهي التطفيف. والتركيب يدل على القليل وطف الشيء جانبه وحرفه، وطف الوادي والإناء إذا بلغ الشيء الذي فيه حرفه ولم يمتلئ. وقال الزجاج : إنما قيل للذي ينقص المكيال والميزان مطفف لأنه لا يكون الذي يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف. روي أن رسول الله ﷺ قدم المدينة وكانوا من أخبث الناس كيلاً فنزلت فأحسنوا الكيل.
قلت : إن كانت السورة مدنية فظاهر، وإن كانت مكية فلعل النبي حين قدم المدينة قرأها عليهم. وهكذا الوجه فيما روي أن أهل المدينة كانوا تجاراً يطففون وكانت بياعاتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة يعني بيع الغرر كالطير في الهواء فنزلت، فخرج رسول الله ﷺ فقرأها عليهم فقال " خمس بخمس. قيل : يا رسول الله وما خمس بخمس ؟ قال : ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوّهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر " وعن علي رضي الله عنه مر برجل يزن الزعفران وقد أرجح فقال له : أقم الوزن بالقسط ثم أرجح بعد ذلك ما شئت. كأنه أخبره بالتسوية أوّلاً ليعتادها ويفصل الواجب من النفل. وعن أبيّ : لا تلتمس الحوائج ممن رزقه في رؤوس المكاييل وألسن الموازين.
والاكتيال الأخذ بالكيل كالاتزان الأخذ بالوزن. قال الفراء :" من " و " على " يتعقبان في هذا الموضع. فمعنى اكتلت عليك أخذت ما عليك، ومعنى أكتلت منك استوفيت منك. وقال أهل البيان : وضع " على " مكان " من " للدلالة على أن اكتيالهم من الناس اكتيال فيه ضرر. وجوز أن يتعلق الجار ب ﴿يستوفون﴾ والتقديم للتخصيص أي يستوفون على الناس خاصة، فأما أنفسهم فيستوفون لها.
والضمير في ﴿كالوهم أو وزنوهم﴾ منصوب راجع إلى الناس والأصل كالوا لهم ووزنوا لهم فحذف المضاف وأصل الفعل. قال الكسائي والفراء : هذه لغة الحجاز ومنه المثل " الحريص يصيدك لا الجواد " أي الحريص يصيد لك لا الفرس الجواد. ويجوز أن يكون على حذف المضاف والتقدير وإذا كالوا مكيلهم أو وزنوا موزونهم. وعن عيسى بن عمر وحمزة أنهما كانا يجعلان الضميرين للمطففين على أنهما توكيد للمرفوع ويقفان عند الواوين وقفة يبينان بها ما أرادا. وخطأهما بعضهم بأن الألف التي تكتب بعد واو الجمع غير ثابتة فيه، ولو كان الضميران للتأكيد لم يكن بدل من الألف، وزيفت هذه التخطئة بأن خط المصحف لا يقاس عليه فكم من أشياء فيه خارجة عن اصطلاح الخط. وقد ذكر الزمخشري في إبطال قولهما أن المعنى حينئذ يؤل إلى قول القائل وإذا تولوا الكيل والوزن هم على الخصوص بأنفسهم اخسروا أي نقصوا، وهذا كلام متنافر لأن الحديث واقع في الفعل لا في المباشر. قلت : النظم على قولهما باقٍ على حالته من الإعجاز والفصاحة لأنه يفيد ضرباً من التوبيخ، فإنهم إذا أخسروا وقد تولوا الكيل أو الوزن بأنفسهم ولم يمنعهم من ذلك مانع من الدين والمروءة، فلأن يرضوا بالإخسار وقد تولاه لأجلهم من تعلق بهم يكون أولى، ومن قلة مروأتهم ودينهم أنهم كانوا متمكنين في الإعطاء من البخس في الكيل وفي الوزن جميعاً ولهذا قال سبحانه ﴿وإذا كالوهم أو وزنوهم﴾ وأما في الأخذ فالميزان غالباً يكون بيد البائع فلا يتمكن المشتري من التصرف فيه بالزيادة المعتد بها فإن الكفة تميل بأدنى ثقل، وإنما يتمكن في الاكتيال بأن يحتال في مكياله بالتحريك ووضع اليد عليه بقوّة فلهذا لم يقل هناك " أو اتزنوا " وأعلم أن أمر المكيال والميزان عظيم لأن مدار معاملات الخلق عليهما، ولهذا جرى على قوم شعيب بسببه ما جرى. وذهب بعض العلماء إلى أن المطفف لا يتناوله الوعيد إلا إذا بلغ تطفيفه نصاب السرقة. والأكثرون على أن قليله وكثيره يوجب الوعيد. وبالغ بعضهم حتى عد العزم عليه من الكبائر.
وقال الشيخ أبو القاسم القشيري رحمه الله : لفظ المطفف يتناول التطفيف في الوزن والكيل، وفي إظهار العيب وإخفائه، وفي طلب الإنصاف والانتصاف، ومن لم يرض لأخيه المسلم ما يرضاه لنفسه فليس بمنصف. والذي يرى عيب الناس ولا يرى عيب نفسه فهو من هذه الجملة، ومن طلب حق من الناس ولا يعطيهم حقوقهم كما يطلب لنفسه فهو من هذه الجملة، والفتى من يقضي حقوق الناس ولا يطلب من أحد لنفسه حقاً. ويحكى أن أعرابياً قال لعبد الملك بن مروان : إن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به، فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ووزن ؟
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الوقوف ﴿للمطففين﴾ ه لا ﴿يستوفون﴾ ه للفصل بين تناقض الحالين ولكن يلزم تفريق الوصفين مع اتفاق الجملتين ﴿يخسرون﴾ ه للاستفهام ﴿عظيم﴾ ه لا لأن التقدير لأمر يوم عظيم في يوم كذا وهو بدل بني على الفتح للإضافة إلى الجملة ﴿لرب العالمين﴾ ه ط لأن " كلا " لتحقيق أنّ بمعنى " ألا " التي للتنبيه أو حقاً أو هو ردع عن التطفيف وكذا أخواتها في السورة ﴿سجين﴾ ه ط ﴿ما سجين﴾ ه ط للحذف أي هو كتاب ﴿مرقوم﴾ ه ط لأن ﴿ويل﴾ مبتدأ ﴿للمكذبين﴾ ه لا ﴿الدين﴾ ه ط للابتداء بالنفي ﴿أثيم﴾ ه لأن الشرطية بعده صفة أخرى له ﴿الأوّلين﴾ ه والوقف لما ذكر ﴿يكسبون﴾ ه ﴿لمحجوبون﴾ ه لأن " ثم " لترتيب الأخبار ﴿الجحيم﴾ ه ك لاختلاف الجملتين ﴿تكذبون﴾ ه ك ﴿عليين﴾ ه ك ﴿عليون﴾ ه ك ﴿مرقوم﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿المقربون﴾ ه ط ﴿نعيم﴾ ه لا لأن ما بعده حال أو صفة ﴿ينظرون﴾ ه لا لذلك ﴿النعيم﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح مستأنفاً أو حالاً ﴿مختوم﴾ ه لا لأن ما بعده وصف ﴿مسك﴾ ط ﴿المتنافسون﴾ ه ط ﴿تسنيم﴾ ه لا بناء على أن ﴿عيناً﴾ حال كما قال الزجاج. فإن أريد النص على المدح جاز الوقف ﴿المقربون﴾ ه ط ﴿يضحكون﴾ ه ط للآية ولكن إتمام الكلام أولى ﴿يتغامزون﴾ ه ك لذلك ﴿فكهين﴾ ه ك ﴿لضالون﴾ ه لا لأن المنفية حال ﴿حافظين﴾ ه ط لتبدل الكلام معنى ﴿يضحكون﴾ ه لا ﴿ينظرون﴾ ه ط ﴿يفعلون﴾ ه.
القراآت ﴿بل ران﴾ حفص يقف على ﴿بل﴾ وقفة يسيرة ومع ذلك يصل. وقرأ الحلواني عن قالون مظهراً ﴿ران﴾ بالإمالة : حمزة وعلي وخلف وحماد ويحيى ﴿تعرف﴾ مبنياً للمفعول ﴿نضرة﴾ بالرفع : يزيد ويعقوب ﴿خاتمه﴾ بالألف بعد الخاء والتاء مفتوحة : عليّ. ﴿أهلهم﴾ بكسر الهاء والميم : أبو عمرو وسهل ويعقوب، وقرأ حمزة وعلي وخلف بضمهما. الباقون : بضم ميم الجمع فقط ﴿فكهين﴾ مقصوراً : يزيد وحفص ﴿هل ثوب الكفار﴾ بالإدغام : حمزة وعلى وهشام.
التفسير : إنه سبحانه لما ذكر في السورة المتقدمة بعض أشراط الساعة وأخبر عن طرف من أحوالها وأهوالها صدّر هذه السورة بالنعي على قوم آثروا الحياة الزائلة على الحياة الباقية، وتهالكوا في الحرص على استيفاء أسبابها حتى اتسموا بأخس السمات وهي التطفيف. والتركيب يدل على القليل وطف الشيء جانبه وحرفه، وطف الوادي والإناء إذا بلغ الشيء الذي فيه حرفه ولم يمتلئ. وقال الزجاج : إنما قيل للذي ينقص المكيال والميزان مطفف لأنه لا يكون الذي يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف. روي أن رسول الله ﷺ قدم المدينة وكانوا من أخبث الناس كيلاً فنزلت فأحسنوا الكيل.
قلت : إن كانت السورة مدنية فظاهر، وإن كانت مكية فلعل النبي حين قدم المدينة قرأها عليهم. وهكذا الوجه فيما روي أن أهل المدينة كانوا تجاراً يطففون وكانت بياعاتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة يعني بيع الغرر كالطير في الهواء فنزلت، فخرج رسول الله ﷺ فقرأها عليهم فقال " خمس بخمس. قيل : يا رسول الله وما خمس بخمس ؟ قال : ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوّهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر " وعن علي رضي الله عنه مر برجل يزن الزعفران وقد أرجح فقال له : أقم الوزن بالقسط ثم أرجح بعد ذلك ما شئت. كأنه أخبره بالتسوية أوّلاً ليعتادها ويفصل الواجب من النفل. وعن أبيّ : لا تلتمس الحوائج ممن رزقه في رؤوس المكاييل وألسن الموازين.
والاكتيال الأخذ بالكيل كالاتزان الأخذ بالوزن. قال الفراء :" من " و " على " يتعقبان في هذا الموضع. فمعنى اكتلت عليك أخذت ما عليك، ومعنى أكتلت منك استوفيت منك. وقال أهل البيان : وضع " على " مكان " من " للدلالة على أن اكتيالهم من الناس اكتيال فيه ضرر. وجوز أن يتعلق الجار ب ﴿يستوفون﴾ والتقديم للتخصيص أي يستوفون على الناس خاصة، فأما أنفسهم فيستوفون لها.
والضمير في ﴿كالوهم أو وزنوهم﴾ منصوب راجع إلى الناس والأصل كالوا لهم ووزنوا لهم فحذف المضاف وأصل الفعل. قال الكسائي والفراء : هذه لغة الحجاز ومنه المثل " الحريص يصيدك لا الجواد " أي الحريص يصيد لك لا الفرس الجواد. ويجوز أن يكون على حذف المضاف والتقدير وإذا كالوا مكيلهم أو وزنوا موزونهم. وعن عيسى بن عمر وحمزة أنهما كانا يجعلان الضميرين للمطففين على أنهما توكيد للمرفوع ويقفان عند الواوين وقفة يبينان بها ما أرادا. وخطأهما بعضهم بأن الألف التي تكتب بعد واو الجمع غير ثابتة فيه، ولو كان الضميران للتأكيد لم يكن بدل من الألف، وزيفت هذه التخطئة بأن خط المصحف لا يقاس عليه فكم من أشياء فيه خارجة عن اصطلاح الخط. وقد ذكر الزمخشري في إبطال قولهما أن المعنى حينئذ يؤل إلى قول القائل وإذا تولوا الكيل والوزن هم على الخصوص بأنفسهم اخسروا أي نقصوا، وهذا كلام متنافر لأن الحديث واقع في الفعل لا في المباشر. قلت : النظم على قولهما باقٍ على حالته من الإعجاز والفصاحة لأنه يفيد ضرباً من التوبيخ، فإنهم إذا أخسروا وقد تولوا الكيل أو الوزن بأنفسهم ولم يمنعهم من ذلك مانع من الدين والمروءة، فلأن يرضوا بالإخسار وقد تولاه لأجلهم من تعلق بهم يكون أولى، ومن قلة مروأتهم ودينهم أنهم كانوا متمكنين في الإعطاء من البخس في الكيل وفي الوزن جميعاً ولهذا قال سبحانه ﴿وإذا كالوهم أو وزنوهم﴾ وأما في الأخذ فالميزان غالباً يكون بيد البائع فلا يتمكن المشتري من التصرف فيه بالزيادة المعتد بها فإن الكفة تميل بأدنى ثقل، وإنما يتمكن في الاكتيال بأن يحتال في مكياله بالتحريك ووضع اليد عليه بقوّة فلهذا لم يقل هناك " أو اتزنوا " وأعلم أن أمر المكيال والميزان عظيم لأن مدار معاملات الخلق عليهما، ولهذا جرى على قوم شعيب بسببه ما جرى. وذهب بعض العلماء إلى أن المطفف لا يتناوله الوعيد إلا إذا بلغ تطفيفه نصاب السرقة. والأكثرون على أن قليله وكثيره يوجب الوعيد. وبالغ بعضهم حتى عد العزم عليه من الكبائر.
وقال الشيخ أبو القاسم القشيري رحمه الله : لفظ المطفف يتناول التطفيف في الوزن والكيل، وفي إظهار العيب وإخفائه، وفي طلب الإنصاف والانتصاف، ومن لم يرض لأخيه المسلم ما يرضاه لنفسه فليس بمنصف. والذي يرى عيب الناس ولا يرى عيب نفسه فهو من هذه الجملة، ومن طلب حق من الناس ولا يعطيهم حقوقهم كما يطلب لنفسه فهو من هذه الجملة، والفتى من يقضي حقوق الناس ولا يطلب من أحد لنفسه حقاً. ويحكى أن أعرابياً قال لعبد الملك بن مروان : إن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به، فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ووزن ؟
القراآت ﴿بل ران﴾ حفص يقف على ﴿بل﴾ وقفة يسيرة ومع ذلك يصل. وقرأ الحلواني عن قالون مظهراً ﴿ران﴾ بالإمالة : حمزة وعلي وخلف وحماد ويحيى ﴿تعرف﴾ مبنياً للمفعول ﴿نضرة﴾ بالرفع : يزيد ويعقوب ﴿خاتمه﴾ بالألف بعد الخاء والتاء مفتوحة : عليّ. ﴿أهلهم﴾ بكسر الهاء والميم : أبو عمرو وسهل ويعقوب، وقرأ حمزة وعلي وخلف بضمهما. الباقون : بضم ميم الجمع فقط ﴿فكهين﴾ مقصوراً : يزيد وحفص ﴿هل ثوب الكفار﴾ بالإدغام : حمزة وعلى وهشام.