تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ١ : قوله تعالى :﴿ويل للمطففين﴾ فوجه تغييرهم بالتطفيف وإلحاق الوعيد لمكانه، وإن كانوا مستوجبين للوعيد، وإن أوفوا المكيال، ولم يطففوا فيه، إذا كانوا جاحدين بالله تعالى ومكذبين بالبعث.
هو أن الكفرة لم يكونوا اعتقدوا الكفر بالله تعالى لتلذذ، يقع لهم نفس الكفر، ولا التزموه على التحسين لهم إياه، وإنما أعرضوا عن الإيمان لحبهم الرئاسة ولمأكلة كانت لهم، خافوا زوالها عنهم بالإسلام، وزهدوا فيه لما يلزمهم بالإيمان مؤن، واختاروا الكفر لئلا يلزمهم بالإيمان تحملها. فكان الذي يحملهم على الصد عن الإيمان وترك النظر في آيات الله تعالى وحججه ما ذكرنا، فعيروا بالأفعال الدنيئة التي كانوا يتعاطونها في ما بينهم من التطفيف والهمز واللمز وتركهم إيتاء الزكاة بقوله عز وجل :﴿الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون﴾ [فصلت: ٧] لينقلعوا عنها، فيحملهم ذلك على النظر في القرآن والتدبر فيه، وهو كما ذكرنا في القتال أن فيه ما يحملهم على الإيمان لأنهم كانوا يتزهدون عنه لحبهم الدنيا ؛ فإذا قوتلوا ضاقت عليهم الدنيا، فبعثهم ذلك إلى الإيمان بالله تعالى وعلى النظر في آياته.
وذكر أن رسول الله ﷺ لما تلا هذه الآية على أهل المدينة(١) تركوا التطفيف فلم يطففوا بعد ذلك. [ ابن ماجة ٢٢٢٣ ].
قال أهل اللغة : التطفيف النقصان ؛ يقال : إناء طفّان إذا كان غير مملوء. وقال الزجاج : يقال : شيء طفيف أي يسير، فسمي مطففا لما يسرق منه شيئا فشيئا في كل مكيال، وهذا دلالة أن حرمة الربا عامة على أهل الأديان، وفيه دلالة أن حرمة الربا ليست لمكان العاقدين، وإنما هي حق على العاقدين لله تعالى ؛ وذلك أن الذي يكال له كان يأخذ ما يكال له على علم منه بتطفيف البائع، ثم كان يرضى به، ويتجاوز عن ذلك، ومع ذلك لحقه(٢) التعبير بالتطفيف، فدل أن حرمته ليست لمكان العاقدين، ولكنها من حق الله تعالى.
١ في الأصل وم: مكية..
٢ في الأصل وم: لحقهم..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى