التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
كما قال - تعالى - :﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾.
والضمير فى ﴿به﴾ يعود إلى القرآن الكريم المفهوم من المقام. والمراد بقوله :﴿لاَ تُحَرِّكْ﴾ نهيه ﷺ عن التعجيل فى القراءة.
والمقصود بقوله : قرآنه، قراءته عليك، وتثبيته على لسانك وفى قلبك بحيث تقرؤه متى شئت فهو مصدر مضاف لمفعوله.
قال الآلوسى : قوله :﴿وَقُرْآنَهُ﴾ أى : إثبات قراءته فى لسانك، فالقرآن هنا، وكذا فيما بعده، مصدر كالرجحان بمعنى القراءة.. مضاف إلى المفعول وقيل : قرآنه، أى : تأليفه على لسانك..
أى : لا تتعجل - أيها الرسول الكريم - بقراءة القرآن الكريم عندما تسمعه من أمين وحينا جبريل - عليه السلام -، بل تريث وتمهل حتى ينتهى من قراءته ثم اقرأ من بعده، فإننا قد تكفلنا بجمعه فى صدرك وبقراءته عليك عن طريق وحينا، وما دام الأمر كذلك، فمتى قرأ عليك جبريل القرآن فاتبع قراءته ولا تسبقه بها، ثم إن علينا بعد ذلك بيان ما خفى عليك منه، وتوضيح ما أشكل عليك من معانيه.
قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه : هذا تعليم من الله - تعالى - لنبيه ﷺ فى كيفية تلقيه الوحى من الملك، فإنه كان يبادر إلى أخذه، ويسابق الملك فى قراءته.
روى الشيخان وغيرهما عن ابن عباس قال كان النبى ﷺ يعالج من التنزيل شدة، فكان يحرك شفتيه - يريد أن يحفظه مخافة أن يتفلت منه شئ، أو من شدة رغبته فى حفظه - فأنزل الله - تعالى - هذه الآيات.
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد ضمن لنبيه ﷺ أن يجمع له القرآن فى صدره وأن يجريه على لسانه، بدون أى تحريف أو تبديل، وأن يوضح له ما خفى عليه منه.
قالوا : فكان رسول الله ﷺ إذا ما نزل عليه الوحى بعد ذلك بالقرآن، أطرق وأنصت، وشبيه بهذه الآيات قوله - سبحانه - :﴿فتعالى الله الملك الحق وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن مِن قَبْلِ أَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾

تفسير هذه الآية من كتب أخرى