تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يخبر تعالى عن اقتراب الساعة ودنوها معبرًا بصيغة الماضي الدال على التحقق(١) والوقوع لا محالة [ كما قال تعالى ](٢) :﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١]، وقال :﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١].
وقوله :﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ أي : قرب ما تباعد فلا تستعجلوه.
يحتمل أن يعود الضمير على الله، ويحتمل أن يعود على العذاب، وكلاهما متلازم، كما قال تعالى :﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٣، ٥٤].
وقد ذهب الضحاك في تفسير هذه الآية إلى قول عجيب، فقال في قوله :﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ أي : فرائضه وحدوده.
وقد رده ابن جرير فقال : لا نعلم أحدًا استعجل الفرائض(٣) والشرائع قبل وجودها(٤) بخلاف العذاب فإنهم استعجلوه قبل كونه، استبعادًا وتكذيبًا.
قلت : كما قال تعالى :﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى: ١٨].
وقال ابن أبي حاتم : ذُكر عن يحيى بن آدم، عن أبي بكر بن عياش، عن محمد بن عبد الله - مولى المغيرة بن شعبة - عن كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن بن حُجيرة، عن عقبة بن عامر قال : قال رسول الله ﷺ " تطلع عليكم عند الساعة سحابة سوداء من المغرب مثل الترس، فما تزال ترتفع في السماء، ثم ينادي مناد فيها : يا أيها الناس. فيقبل الناس بعضهم على بعض : هل سمعتم ؟ فمنهم من يقول : نعم. ومنهم من يشك. ثم ينادي(٥) الثانية : يا أيها الناس. فيقول الناس بعضهم لبعض : هل سمعتم ؟ فيقولون : نعم. ثم ينادي الثالثة : يا أيها الناس، أتى أمر الله فلا تستعجلوه. قال رسول الله ﷺ :" فوالذي نفسي بيده، إن الرجلين لينشران الثوب فما يطويانه أبدا، وإن الرجل ليمدن حوضه فما يسقي فيه(٦) شيئًا أبدًا، وإن الرجل ليحلب ناقته فما يشربه أبدًا - قال - ويشتغل(٧) الناس " (٨).
ثم إنه تعالى نزه نفسه عن شركهم به غيره، وعبادتهم معه ما سواه من الأوثان والأنداد، تعالى وتقدس علوًا كبيرًا، وهؤلاء هم المكذبون بالساعة، فقال :﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
١ في أ: "التحقيق"..
٢ زيادة من ت، ف، أ..
٣ في ف، أ: "بالفرائض"..
٤ في أ: "وجودهما"..
٥ في ت، أ: "ينادي مناد"..
٦ في ف: "منه"..
٧ في ت: "ويستعمل"..
٨ ورواه الحاكم في المستدرك (٤/٥٣٩): حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الحسن بن علي بن عفان، حدثنا يحيى بن آدم به، وقال: "صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه". ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٧/٣٢٥): حدثنا الحسين التستري، حدثنا أبو كريب، حدثنا يحيى بن آدم به، وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/٣٨٢): "رواه الطبراني بإسناد جيد رواته ثقات مشهورون".
.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى