بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي
عن الكتاب
ثم قال :﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ﴾، يعني : أن كفار قريش يقولون :﴿إِنَّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ﴾، يعنون : جبراً ويساراً. وروى حصين عن عبد الله بن مسلم قال : كان لنا غلامان من أهل اليمن نصرانيان، اسم أحدهما يسار، والآخر جبر، صيقليان. وكانا يقرآن بلسانهما، فكان رسول الله ﷺ يمر عليهما، يسمع منهما. فقال المشركون : إنما يتعلم منهما، فأكذبهم الله تعالى حيث قال :﴿لّسَانُ الذي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِي﴾ أي : رومي اللسان. وقال مقاتل كان غلام لعامر بن الحضرمي اسمه يسار، يهودي أعجمي اللسان، وكان النبي ﷺ إذا آذاه كفار قريش يدخل عليه، ويحدثه، فقال المشركون : إنما يعلمه يسار. فقال الله تعالى رداً عليهم :﴿لّسَانُ الذي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِي﴾ أي : يميلون إليه، ويزعمون أنه يعلمه أعجمي، أي : عبراني. وأصل الإلحاد الميل، ﴿وهذا﴾، يعني : القرآن. ﴿لِسَانٌ عَرَبِي مُّبِينٌ﴾، يعني : مفقه بلغتهم. وروي عن طلحة بن عمير أنه قال : بلغني أن خديجة كانت تختلف إلى غلام ابن الحضرمي، وكان نصرانياً، وكان صاحب كتب. يقال له : جبر، وكانت قريش تقول : إنَّ عبد ابن الحضرمي يعلم خديجة، وخديجة تعلم محمداً ﷺ، فنزل :﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ﴾، ثم أسلم جبر بعد ذلك، وحسن إسلامه، وهاجر مع سيده. قرأ ابن كثير :﴿رُوحُ القدس﴾، بجزم الدال. وقرأ الباقون :﴿القدس﴾، بضم الدال، وقرأ حمزة والكسائي :﴿يُلْحِدُونَ﴾، بنصب الياء والحاء. وقرأ الباقون :﴿يُلْحِدُونَ﴾، بضم الياء وكسر الحاء، ومعناهما واحد.