المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية
عن الكتاب
وقوله :﴿ولقد نعلم أنهم يقولون﴾، قال ابن عباس : كان في مكة غلام أعجمي لبعض قريش، يقال له : بلعام، فكان رسول الله ﷺ يكلمه ويعلمه الإسلام ويرومه عليه، فقالت قريش : هذا يعلم محمداً من جهة الأعاجم، فنزلت الآية بسببه، وقال عكرمة وسفيان : كان اسم الغلام يعيش، وقال عبد الله بن مسلم الحضرمي : كان بمكة غلامان، أحدهما اسمه جبر والآخر يسار، وكانا يقرآن بالرومية، وكان رسول الله ﷺ يجلس إليهما، فقالت قريش ذلك، ونزلت الآية، وقال ابن إسحاق : الإشارة إلى جبر، وقال الضحاك : الإشارة إلى سلمان الفارسي.
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف، لأن سلمان إنما أسلم بعد الهجرة بمدة، وقرأت فرقة :«لسان الذي »، وقرأ الحسن البصري :«اللسان الذي »، بالتعريف وبغير تنوين في رأي بشر(١)، وقرأ نافع وابن كثير :«يُلحدون »، بضم الياء، من ألحدَ إذا مال، وهي قراءة أبي عمرو وعاصم وابن عامر وأبي جعفر بن القعقاع، وقرأ حمزة والكسائي :«يَلحدون »، بفتح الياء من لحد، وهي قراءة عبد الله وطلحة وأبي عبد الرحمن والأعمش ومجاهد، وهما بمعنى، ومنه قول الشاعر :[ الرمل ]
قدني من نصر الخبيبين قدي. . . ليس أمري بالشحيح الماحد
يريد : المائل عن الجود وحال الرياسة، وقوله :﴿أعجمي﴾، إضافة إلى أعجم لا إلى العجم ؛ لأنه كان يقول عجمي، والأعجمي : هو الذي لا يتكلم بالعربية، وأما العجمي : فقد يتكلم بالعربية ونسبته قائمة(٢)، وقوله :﴿وهذا﴾، إشارة إلى القرآن والتقدير، وهذا سرد لسان، أو نطق لسان، فهو على حذف مضاف، وهذا على أن يجعل اللسان هنا الجارحة، و «اللسان » في كلام العرب : اللغة، ويحتمل أن يراد في هذه الآية، واللسان الخبر ومنه قول الأعشى : إني أتتني لسان غير كاذبة(٣).
ومنه قول الآخر :[ الوافر ]
لسان السوء يهديها إلينا. . . وجيت وما حسبتك أن تجينا
وحكى الطبري عن سعيد بن المسيب أن الذي ذكر الله :﴿إنما يعلمه بشر﴾، ﴿إنما﴾ هي إشارة إلى كاتب كان يكتب لرسول الله ﷺ، فيقول له رسول الله ﷺ في أواخر الآيات :«والله سميع عليم »، أو «عزيز حكيم »، أو نحو هذا، ثم يشتغل بسماع الوحي، فيبدل هو بغفور رحيم أو نحوه، فقال له رسول الله ﷺ في بعض الآيات : هو كما كتبت، ففتن، وقال أنا أعلم محمداً، وارتد ولحق بمكة، ونزلت الآية فيه. قال القاضي أبو محمد : هذا نصراني أسلم وكتب، ثم ارتد ولحق بمكة ومات، ثم لفظته الأرض، وإلا فهذا القول يضعف ؛ لأن الكاتب المشهور الذي ارتد لهذا السبب ولغيره من نحوه هو عبد الله بن أبي سرح العامري، ولسانه ليس بأعجمي فتأمله.
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف، لأن سلمان إنما أسلم بعد الهجرة بمدة، وقرأت فرقة :«لسان الذي »، وقرأ الحسن البصري :«اللسان الذي »، بالتعريف وبغير تنوين في رأي بشر(١)، وقرأ نافع وابن كثير :«يُلحدون »، بضم الياء، من ألحدَ إذا مال، وهي قراءة أبي عمرو وعاصم وابن عامر وأبي جعفر بن القعقاع، وقرأ حمزة والكسائي :«يَلحدون »، بفتح الياء من لحد، وهي قراءة عبد الله وطلحة وأبي عبد الرحمن والأعمش ومجاهد، وهما بمعنى، ومنه قول الشاعر :[ الرمل ]
قدني من نصر الخبيبين قدي. . . ليس أمري بالشحيح الماحد
يريد : المائل عن الجود وحال الرياسة، وقوله :﴿أعجمي﴾، إضافة إلى أعجم لا إلى العجم ؛ لأنه كان يقول عجمي، والأعجمي : هو الذي لا يتكلم بالعربية، وأما العجمي : فقد يتكلم بالعربية ونسبته قائمة(٢)، وقوله :﴿وهذا﴾، إشارة إلى القرآن والتقدير، وهذا سرد لسان، أو نطق لسان، فهو على حذف مضاف، وهذا على أن يجعل اللسان هنا الجارحة، و «اللسان » في كلام العرب : اللغة، ويحتمل أن يراد في هذه الآية، واللسان الخبر ومنه قول الأعشى : إني أتتني لسان غير كاذبة(٣).
ومنه قول الآخر :[ الوافر ]
لسان السوء يهديها إلينا. . . وجيت وما حسبتك أن تجينا
وحكى الطبري عن سعيد بن المسيب أن الذي ذكر الله :﴿إنما يعلمه بشر﴾، ﴿إنما﴾ هي إشارة إلى كاتب كان يكتب لرسول الله ﷺ، فيقول له رسول الله ﷺ في أواخر الآيات :«والله سميع عليم »، أو «عزيز حكيم »، أو نحو هذا، ثم يشتغل بسماع الوحي، فيبدل هو بغفور رحيم أو نحوه، فقال له رسول الله ﷺ في بعض الآيات : هو كما كتبت، ففتن، وقال أنا أعلم محمداً، وارتد ولحق بمكة، ونزلت الآية فيه. قال القاضي أبو محمد : هذا نصراني أسلم وكتب، ثم ارتد ولحق بمكة ومات، ثم لفظته الأرض، وإلا فهذا القول يضعف ؛ لأن الكاتب المشهور الذي ارتد لهذا السبب ولغيره من نحوه هو عبد الله بن أبي سرح العامري، ولسانه ليس بأعجمي فتأمله.
١ قال ابن جني: "ليس قوله: ﴿لسان الذي يلحدون إليه أعجمي﴾ جملة في موضع الصفة ل[بشر]، ألا تراها خالية من ضميره؟ ولأن المعنى أيضا ليس على كونها صفة، و إنما الوقف على قوله: [بشر]، ثم استأنف الله تعالى القول ردا عليهم..
٢ أعجمي: من أعجم بمنزلة أحمري من أحمر، وأشقري من أشقر، وكلابي من كلاب، قاله أبو عثمان بن جني في المحتسب، وقال: إن العجمي هو المنسوب للعجم وإن كان فصيحا، ألا ترى أن سيبويه كان عجميا وإن كان لسانه العربية..
٣ هذا صدر بيت للاعشى باهلة، قال ذلك (اللسان)، والبيت بتمامه على رواية اللسان:
إني أتتني لسان لا أسر بهـــــــــا من علو لا عجب منها ولا سخر.
قال: قد يكنى باللسان عن الكلمة فيؤنث حينئذ، وقال ابن بري: اللسان هنا: الرسالة والمقالة، ومثله:
أتتني لسان بني عامــــــــر أحــاديثها بعد قول نكر.
٢ أعجمي: من أعجم بمنزلة أحمري من أحمر، وأشقري من أشقر، وكلابي من كلاب، قاله أبو عثمان بن جني في المحتسب، وقال: إن العجمي هو المنسوب للعجم وإن كان فصيحا، ألا ترى أن سيبويه كان عجميا وإن كان لسانه العربية..
٣ هذا صدر بيت للاعشى باهلة، قال ذلك (اللسان)، والبيت بتمامه على رواية اللسان:
إني أتتني لسان لا أسر بهـــــــــا من علو لا عجب منها ولا سخر.
قال: قد يكنى باللسان عن الكلمة فيؤنث حينئذ، وقال ابن بري: اللسان هنا: الرسالة والمقالة، ومثله:
أتتني لسان بني عامــــــــر أحــاديثها بعد قول نكر.