مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — نووي الجاوي

عن الكتاب
سورة النحل
وتسمى سورة النعم. مكية، إلا ثلاث آيات في آخرها، مائة وثمان وعشرون آية، ألف وثمانمائة وخمس وأربعون كلمة، سبعة آلاف وثمانمائة وأربعة وثلاثون حرفا
أَتى أَمْرُ اللَّهِ أي العذاب الموعود للكفرة. والحاصل أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما أكثر من تهديدهم بعذاب الدنيا وعذاب الآخرة ولم يروا شيئا نسبوه إلى الكذب فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله تعالى: أتى أمر الله أي قد حصل حكم الله بنزول العذاب من الأزل إلى الأبد وإنما لم يحصل المحكوم به لأنه تعالى خصص حصوله بوقت معين فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ أي لا تطلبوا حصوله قبل حضور ذلك الوقت ولما قالت الكفار: إنا سلمنا لك يا محمد صحة ما تقوله من أنه تعالى حكم بإنزال العذاب علينا إما في الدنيا وإما في الآخرة إلا أنا نعبد هذه الأصنام فإنها شفعاؤنا عند الله فهي تشفع لنا عنده فنتخلص من هذا العذاب المحكوم به بسبب شفاعة هذه الأصنام فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله تعالى: سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١) فنزه الله تعالى نفسه عن شركة الشركاء وأن يكون لأحد أن يشفع عنده إلا بإذنه ولما قال الكفار: إنه تعالى قضى على بعض عباده بالسراء وعلى آخرين بالضراء، ولكن كيف يمكنك يا محمد أن تعرف هذه الأسرار التي لا يعلمها إلا الله تعالى! وكيف صرت بحيث تعرف أسرار الله وأحكامه في ملكه وملكوته؟ فأجاب الله تعالى عن ذلك بقوله تعالى: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ أي جبريل ومن معه من الملائكة بِالرُّوحِ أي بكلام الله تعالى مِنْ أَمْرِهِ أي إن الروح هي أمره تعالى عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وهم الأنبياء أَنْ أَنْذِرُوا أي أعلموا الناس أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢) بالإتيان بعبادتي.
وتقرير هذا الكلام أنه تعالى ينزل الملائكة على من يشاء من عبيده، ويأمر الله ذلك العبد الذي نزلت عليه الملائكة بأن يبلغ إلى سائر الخلق أن إله العالم واحد كلفهم بمعرفة التوحيد وبالعبادة له، وبين أنهم إن فعلوا ذلك فازوا بخيري الدنيا والآخرة، وإن تمردوا وقعوا في شر الدنيا والآخرة فبهذا الطريق صار ذلك العبد مخصوصا بهذه المعارف من دون سائر الخلق فقوله تعالى: لا إِلهَ إِلَّا أَنَا إشارة إلى الأحكام الأصولية وقوله تعالى: فَاتَّقُونِ إشارة إلى الأحكام
الفروعية خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ أي أوجدهما على صفات خصصها بحكمته ولما احتج تعالى بخلق السموات والأرض على حدوثهما قال بعده: تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) فالقائلون بقدم السموات والأرض كأنهم أثبتوا لله شريكا في القدم، فنزه تعالى نفسه عن ذلك وبيّن أنه لا قديم إلا هو. فالمقصود من قوله أولا سبحانه وتعالى عما يشركون إبطال قول من يقول: إن الأصنام تشفع للكفار في دفع عقاب الله عنهم. والمقصود هاهنا إبطال قول من يقول أجسام السموات والأرض قديمة فنزه الله تعالى نفسه عن أن يشاركه غيره في القدم خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ منتنة فَإِذا هُوَ بعد قوة عقله وعظم فهمه خَصِيمٌ لربه مُبِينٌ (٤) أي ظاهر الخصومة منكر لخالقه قائل من يحيي العظام وهي رميم وهذا إشارة إلى الاستدلال بأحوال نفس الإنسان على وجود الصانع الحكيم فإن الانتقال من الحالة الخسيسة إلى الحالة العالية لا يحصل إلا بتدبير مدبر حكيم عليم وَالْأَنْعامَ أي الإبل والبقر والغنم خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ أي ما يتدفأ به من اللباس المتخذة من الأصواف والأوبار والأشعار وَمَنافِعُ هي درها وركوبها والحراثة بها وغير ذلك وَمِنْها أي من لحومها تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ أي منظر حسن عند الناس حِينَ تُرِيحُونَ أي تردونها من مراعيها إلى مراحها بالعشي وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) أي تخرجونها من حظائرها إلى المرعى بالغداة وَتَحْمِلُ أي الإبل أَثْقالَكُمْ أي أمتعتكم إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ أي واصلين إليه على غير الإبل إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ أي إلا بتعب النفس أو إلا بذهاب نصف قوة البدن، والشق بكسر الشين وفتحها معناه المشقة والنصف إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٧) ولذلك أصبغ عليكم هذه النعم الجليلة ويسّر لكم الأمور الشاقة وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً أي وخلق هذه الأشياء للركوب وللمنظر الحسن، واحتج بهذه الآية من يحرم لحوم الخيل وقالوا: لأن الله تعالى خصّ هذه بالركوب فعلمنا أنها مخلوقة للركوب لا للأكل وهو قول ابن عباس وإليه ذهب الحكم ومالك وأبو حنيفة، وذهب جماعة من أهل العلم إلى إباحة لحوم الخيل، وهو قول الحسن وشريح وعطاء وسعيد بن جبير وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق، واحتجوا على إباحة لحوم الخيل بما روي عن أسماء بنت أبي بكر الصدّيق قالت: نحرنا على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فرسا ونحن بالمدينة أخرجه البخاري ومسلم.
روى الشيخان عن جابر رضي الله عنه: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نهى عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل.
وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (٨) أي ويخلق في الدنيا غير ما عدد من أصناف النعم.
روي عن ابن عباس أنه قال: إن عن يمين العرش نهرا من نور مثل السموات السبع والأرضين السبع والبحار السبعة يدخل فيه جبريل عليه السلام كل سحر، فيغتسل، فيزداد نورا

تفسير هذه الآية من كتب أخرى