فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿أتى أَمْرُ الله﴾ أي : عقابه للمشركين. وقال جماعة من المفسرين : القيامة. قال الزجاج : هو ما وعدهم به من المجازاة على كفرهم، وعبر عن المستقبل بلفظ الماضي تنبيهاً على تحقيق وقوعه. وقيل : إن المراد بأمر الله : حكمه بذلك، وقد وقع وأتى، فأما المحكوم به فإنه لم يقع، لأنه سبحانه حكم بوقوعه في وقت معين، فقبل مجيء ذلك الوقت لا يخرج إلى الوجود، وقيل : إن المراد بإتيانه : إتيان مباديه ومقدّماته ﴿فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ نهاهم عن استعجاله، أي : فلا تطلبوا حضوره قبل ذلك الوقت، وقد كان المشركون يستعجلون عذاب الله كما قال النضر بن الحارث ﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢]، الآية. والمعنى : قرب أمر الله فلا تستعجلوه، وقد كان استعجالهم له على طريقة الاستهزاء من دون استعجال على الحقيقة، وفي نهيهم عن الاستعجال تهكم بهم. ﴿سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي : تنزه وترفع عن إشراكهم، أو عن أن يكون له شريك، وشركهم هاهنا هو ما وقع منهم من استعجال العذاب، أو قيام الساعة استهزاء وتكذيباً، فإنه يتضمن وصفهم له سبحانه بأنه لا يقدر على ذلك، وأنه عاجز عنه والعجز وعدم القدرة من صفات المخلوقات، لا من صفات الخالق، فكان ذلك شركاً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس، قال :( لما نزل ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ ذعر أصحاب رسول الله ﷺ حتى نزلت ﴿فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ فسكنوا ). وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن أبي بكر بن حفص قال :( لما نزلت ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ قاموا، فنزلت ﴿فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ ). وأخرج ابن مردويه من طريق الضحاك عن ابن عباس ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ قال : خروج محمد ﷺ. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن جريج قال :( لما نزلت هذه الآية ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ قال رجال من المنافقين بعضهم لبعض : إن هذا يزعم أن أمر الله أتى، فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى تنظروا ما هو كائن، فلما رأوا أنه لا ينزل شيء قالوا : ما نراه نزل شيء، فنزلت ﴿اقترب لِلنَّاسِ حسابهم﴾ [الأنبياء: ١] فقالوا : إن هذا يزعم مثلها أيضاً، فلما رأوا أنه لا ينزل شيء قالوا : ما نراه نزل شيء، فنزلت ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العذاب إلى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ﴾ [هود: ٨]. الآية ). وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله :﴿أتى أَمْرُ الله﴾ قال : الأحكام والحدود والفرائض.
وأخرج هؤلاء عن ابن عباس في قوله :﴿يُنَزّلُ الملائكة بالروح﴾ قال : بالوحي. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه، والبيهقي عنه قال : الروح أمر من أمر الله، وخلق من خلق الله، وصورهم على صورة بني آدم. وما ينزل من السماء ملك إلاّ ومعه واحد من الروح. ثم تلا ﴿يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفّاً﴾ [النبأ: ٣٨]. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ﴿يُنَزّلُ الملائكة بالروح﴾ قال : القرآن. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْء﴾ قال : الثياب ﴿ومنافع﴾ قال : ما تنتفعون به من الأطعمة والأشربة. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً، قال : نسل كل دابة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله :﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إلى بَلَدٍ﴾ يعني : مكة ﴿لَمْ تَكُونُوا بالغيه إِلاَّ بِشِقّ الأنفس﴾ قال : لو تكلفتموه، لم تطيقوه إلاّ بجهد شديد.
وقد ورد في حلّ أكل لحوم الخيل أحاديث منها في الصحيحين وغيرهما، من حديث أسماء، قالت :( نحرنا فرساً على عهد رسول الله ﷺ فأكلناه ). وأخرج أبو عبيد، وابن أبي شيبة، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن جابر قال :( أطعمنا رسول الله ﷺ لحوم الخيل، ونهانا عن لحوم الحمر الأهلية ). وأخرج أبو داود نحوه من حديثه أيضاً، وهما على شرط مسلم. وثبت أيضاً في الصحيحين من حديث جابر، قال :( نهى رسول الله عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في الخيل ) وأما ما أخرجه أبو عبيد، وأبو داود، والنسائي من حديث خالد بن الوليد قال :( نهى رسول الله ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع، وعن لحوم الخيل والبغال والحمير )، ففي إسناده صالح بن يحيى بن أبي المقدام، وفيه مقال. ولو فرضنا أن الحديث صحيح، لم يقو على معارضة أحاديث الحلّ، على أنه يكون أن هذا الحديث المصرّح بالتحريم متقدّم على يوم خيبر، فيكون منسوخاً. وأخرج الخطيب وابن عساكر قال : قال رسول الله ﷺ في قوله :﴿وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ قال :«البراذين». وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس، قال : قال رسول الله ﷺ :( إن مما خلق الله أرضاً من لؤلؤة بيضاء ) ثم ساق من أوصافها ما يدلّ على أن الحديث موضوع، ثم قال في آخره :( فذلك قوله ﴿ويخلق ما لا تعلمون﴾ ). وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿وَعَلَى الله قَصْدُ السبيل﴾ يقول : على الله أن يبين الهدى والضلالة. ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ قال : السبل المتفرّقة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله :﴿وَعَلَى الله قَصْدُ السبيل﴾ قال : على الله بيان حلاله، وحرامه، وطاعته، ومعصيته ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ قال : من السبل ناكب عن الحق. قال : وفي قراءة ابن مسعود " ومنكم جائر ". وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن الأنباري في المصاحف عن عليّ أنه كان يقرأ هذه الآية " ومنكم جائر ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى