التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم أخبر الله - تعالى - رسوله ﷺ بأن حرصه على هداية المصرين على ضلالهم، لن يغير من واقع أمرهم شيئا، فقال - تعالى - ﴿إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ..﴾.
والفعل المضارع ﴿تحرص﴾ بكسر الراء، ماضيه " حرص " بفتحها كضرب يضرب.
والحرص : شدة الرغبة فى الحصول على الشئ، والاستئثار به.
وقوله :﴿فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾ تعليل لجواب الشرط المحذوف، والتقدير :
إن تحرص - أيها الرسول الكريم - على هداية هؤلاء المصرين على كفرهم لن ينفعهم حرصك. فإن الله - تعالى - قد اقتضت حكمته أن لا يهدى من يخلق فيه الضلالة بسبب سوء اختياره، وفساد استعداده.
وفى الجملة الكريمة إشارة إلى ما جبل عليه النبى ﷺ من مكارم الأخلاق، فإنه مع ما لقيه من مشركى قومه من أذى وعناد وتكذيب... كان حريصا على ما ينفعهم ويسعدهم.
قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾ جواب الشرط على معنى فاعلم ذلك، أو علة للجواب المحذوف، أى : إن تحرص على هداهم لن ينفع حرصك شيئا، فإن الله لا يهدى من يضل.
والمراد بالموصول : كفار قريش المعبر عنهم قبل ذلك بالذين أشركوا، ووضع الموصول موضع ضميرهم ؛ للتنصيص على أنهم ممن حقت عليهم الضلالة وللإِشعار بعلة الحكم.
ومعنى الآية : أنه - سبحانه - لا يخلق الهداية جبرا وقسرا فيمن يخلق فيه الضلالة بسوء اختياره. و " من " على هذا. مفعول ﴿يهدى﴾ وضمير الفاعل فى ﴿يضل﴾ لله - تعالى - والعائد محذوف، أى من يضله.
وقرأ غير واحد من السبعة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي..﴾ بضم الياء وفتح الدال - على البناء للمفعول.
و " من " على هذا نائب فاعل، والعائد وضمير الفاعل كما مر.. ".
والمعنى على هذه القراءة : إن تحرص على هداهم - يا محمد - لن ينفعهم حرصك، فإن من أضله الله - تعالى - لا يهديه أحد.
وقوله :﴿وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ تذييل مؤكد لما قبله.
أى : وليس لهؤلاء الضالين من ناصر يدفع عنهم عذاب الله - تعالى - إن نزل بهم، أو يصرفهم عن سبيل الغى الذى آثروه على سبيل الرشد.
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - :
﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً..﴾
وقوله - تعالى - :
﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك مقولة أخرى من مقولاتهم الباطلة، التى أكدوها بالأَيمان المغلظة، ورد عليها بما يدمغها، فقال - تعالى - :﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ...﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى