جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى ﴿وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمّ إِذَا مَسّكُمُ الضّرّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾.
اختلف أهل العربية في وجه دخول الفاء في قوله : فَمِنَ اللّهِ، فقال بعض البصريين : دخلت الفاء ؛ لأن «ما » بمنزلة «من » فجعل الخبر بالفاء. وقال بعض الكوفيين :«ما » في معنى جزاء، ولها فعل مضمر، كأنك قلت : ما يكن بكم من نعمة فمن الله ؛ لأن الجزاء لا بدّ له من فعل مجزوم، إن ظهر فهو جزم، وإن لم يظهر فهو مضمر كما قال الشاعر :
| إن العَقْلُ في أموَالِنا لا نَضِقْ بِهِ | ذِرَاعا وَإنْ صَبْرا فنَعْرِفُ للصّبْرِ |
وتأويل الكلام : ما يكن بكم في أبدانكم أيها الناس من عافية وصحة وسلامة وفي أموالكم من نماء، فالله المنعم عليكم بذلك لا غيره ؛ لأن ذلك إليه وبيده. ثُمّ إذَا مَسّكُمُ الضّرّ يقول : إذا أصابكم في أبدانكم سَقَم ومرض وعلة عارضة وشدّة من عيش، فإلَيْهِ تَجْأَرُونَ، يقول : فإلى الله تصرخون بالدعاء وتستغيثون به، ليكشف ذلك عنكم. وأصله : من جؤار الثور، يقال منه : جأر الثور يجأر جُؤارا، وذلك إذا رفع صوتا شديدا من جوع أو غيره، ومنه قول الأعشى :
| وَما أيْبُلِيّ عَلى هَيْكَلٍ | بَناهُ وَصَلّبَ فِيهِ وصَارَا |
| يُرَاوِحُ مِنْ صَلَوَاتِ المَلِي | كِ طَوْرا سُجُودا وَطَوْرا جُؤَارا |
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن قال : حدثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال : أخبرنا أبو حُذيفة، قال : حدثنا شبل وحدثني المثنى، قال : أخبرنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : فإلَيْهِ تَجأَرُونَ قال : تضرعون دعاء.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
حدثني المثنى، قال : أخبرنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال : الضّرّ : السّقْم.