الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَمَا بِكُم﴾ : يجوز في " ما " وجهان، أحدهما : أن تكونَ موصولةً، والجارُّ صلتُها، وهي مبتدأٌ، والخبرُ قولُه ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ والفاءُ زائدةٌ في الخبر لتضمُّنِ الموصولِ معنى الشرطِ، تقديره : والذي استقرَّ بكم. و ﴿مِّن نِّعْمَةٍ﴾ بيان للموصول. وقدَّر بعضُهم متعلِّق " بكم " خاصَّاً فقال :" وما حَلَّ بكم أو نزل بكم " وليس بجيدٍ ؛ إذ لا يُقَدَّرُ إلا كونٌ مطلقٌ.
والثاني : أنها شرطية، وفعلُ الشرطِ بعدها محذوفٌ وإليه نحا الفراء، وتبعه الحوفيُّ وأبو البقاء. قال الفراء :" التقدير : وما يكنْ بكم ". وقد رُدَّ هذا بأنه لا يُحْذَفُ فعلٌ إلا بعد " إنْ " خاصةً، في موضعين، أحدُهما : أن يكون في باب الاشتغال نحو :﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾
[التوبة: ٦] لأنَّ المحذوفَ في حكمِ المذكورِ. والثاني : أن تكونَ " إنْ " متلوَّةً ب " لا " النافية، وأنْ يَدُلَّ على الشرطِ ما تقدَّمه من الكلامِ كقوله :
فطلِّقْها فَلَسْتَ لها بكُفْءٍوإلاَّ يَعْلُ مَفْرِقَك الحُسامُ
أي : وإن لا تُطَلِّقْها، فَحَذَفَ لدلالةِ قوله " فَطَلِّقْها " عليه فإن لم توجَدْ " لا " النافيةُ، أو كانت الأداةُ غيرَ " إنْ " لم يُحْذَفْ إلا ضرورةً، مثالُ الأول :
قالَتْ بناتُ العمِّ يا سَلْمَى وإنْ *** كان فقيرا مُعْدِماً قالت : وإنْ
أي : وإن كان غنياً رَضِيتُه. ومثالُ الثاني :
صَعْدَة نابتةٌ في حائرٍاَيْنَما الريحُ تُمَيِّلْها تَمِلْ
وقول الآخر :
فمتى واغِلٌ يَنُبْهُمْ يُحَيُّوه وتُعْطَفْ عليه كأسُ الساقي
قوله :﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ الفاءُ جوابُ " إذا ". والجُؤار رَفْعُ الصوتِ، قال رؤبة يصفُ راهباً. /
يُراوِحُ مِنْ صلواتِ المَلِيكِ طَوْراً سُجوداً وطَوْراً جُؤاراً
ومنهم مَنْ قَيَّده بالاستغاثة، وأنشد الزمخشري :
جَآَّرُ ساعاتِ النيامِ لربِّه ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل : الجُؤَار كالخُوار، جَأَر الثورُ وخارَ واحد، إلا أنَّ هذا مهموزُ العين وذلك معتلُّها. وقال الراغب :" جَأَر إذا أفرط في الدعاء والتضرع، تشبيهاً بجُؤَارِ الوَحْشِيَّات ".
وقرأ الزهري :" تَجَرون " بحذفِ الهمزةِ وإلقاء حركتها على الساكنِ قبلَها، كما قرأ نافع " رِدَّاً " في " رِدْءاً ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى