الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿شَيْئاً﴾ : فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها : أنه منصوبٌ على المصدرِ، أي : لا يَمْلِكُ لهم مِلْكاً، أي : شيئاً من المِلْك. والثاني : أنه بدلٌ مِنْ " رِزْقاً "، أي : لا يَمْلِكُ لهم شيئاً. وهذا غيرُ مفيدٍ ؛ إذ من المعلومِ أنَّ الرزقَ شيءٌ من الأشياء، ويؤيِّد ذلك : أنَّ البدلَ يأتي لأحدِ معنيين : البيانِ أو التأكيد، وهذا ليس فيه بيانٌ ؛ لأنه أعمُّ، ولا تأكيدَ. الثالث : أنه منصوبٌ ب " رِزْقاً " على أنه اسمُ مصدرٍ، واسمُ المصدرِ يعمل عملَ المصدرِ على خلافٍ في ذلك.
ونقل مكيٌّ أن اسمَ المصدرِ لا يعملُ عند البصريين إلا في شعرٍ. قلت : وقد اختلفتِ النقلةُ / عند البصريين : فمنهم مَنْ نَقَلَ المَنْعَ، ومنهم مَنْ نَقَلَ الجوازَ. وقد ذكر الفارسيُّ انتصابَه ب " رِزْقاً " كما تقدَّم. ورَدَّ عليه ابنُ الطَّراوة بأن الرزْقَ اسم المرزوق كالرَّعْيِ والطَّحْن. ورُدَّ على ابنِ الطراوة : بأنَّ الرِّزْقَ بالكسرِ أيضاً مصدرٌ، وقد سُمِعَ فيه ذلك. قلت : فظاهرُ هذا أنه مصدرٌ بنفسِه لا اسمُ مصدرٍ.
وقوله :﴿مِّنَ السَّمَاوَاتِ﴾، فيه ثلاثةُ أوجهٍ : أحدُها : أنه متعلقٌ ب " يملك "، وذلك على الإِعرابين الأوَّلَيْنِ في نصبِ " شيئاً ". الثاني : أنه متعلقٌ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ ل " رزقاً ". الثالث : أن يتعلَّقَ بنفس " رِزْقاً " إن جعلناه مصدراً. وقال ابن عطية :- بعد أن ذكر إعمالَ المصدرِ منوَّناً - " والمصدرُ يعمل مضافاً باتفاق ؛ لأنه في تقديرِ الانفصالِ، ولا يَعْمَل إذ دخله الألفُ واللام ؛ لأنه قد تَوَغَّلَ في حالِ الأسماءِ، وبَعُد عن الفعليَّة، وتقدير الانفصالِ في الإِضافةِ حَسَّنَ عملَه، وقد جاء عاملاً مع الألف واللام في قول الشَّاعر :
ضعيفُ النكايةِ أعداءَه ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ وقوله ] :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** فلم أَنْكِلْ عن الضَرْبِ مِسْمَعا
قال الشيخ :" أمَّا قولُه :" باتفاق " : إن عَنَى من البصريين فصحيحُ، وإن عَنَى مِنَ النحويين فليس بصحيح ؛ إذ قد ذهب بعضُهم إلى أنه لا يعمل. فإن وُجِد بعده منصوبٌ أو مرفوعٌ قَدَّر له عاملاً. وأمَّا قولُه :" في تقدير الانفصال "، فليس كذلك ؛ لئلا تكون إضافتُه غيرَ محضةٍ، كما قال به ابن الطراوة وابن بَرْهان. ومذهبُهما فاسدٌ ؛ لأنَّ هذا المصدرَ قد نُعِتَ وأُكِّد بالمعرفة. وقوله :" لا يعمل "، إلى آخره، ناقَضَه بقولِه :" وقد جاء عاملاً "، إلى آخرِه.
قلت : فغايةُ ما في هذا أنه نحا إلى أقوالٍ قال بها غيرُه. وأمَّا المناقضةُ فليست صحيحةً ؛ لأنه عَنَى أولاً : أنه لا يَعْمل في السِّعَة، وثانياً : أنه قد جاء عاملاً في الضرورة، ولذلك قيَّده فقال :" في قول الشاعر ".
قوله :﴿وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾، يجوز في الجملة وجهان : العطفُ على صلةِ " ما "، والإِخبارُ عنهم بنفيِ الاستطاعةِ على سبيلِ الاستئنافِ، ويكون قد جَمَع الضميرَ العائدَ على " ما " باعتبارِ معناها ؛ إذ المرادُ بذلك آلهتُهم، ويجوز أن يكونَ الضميرُ عائداً على العابدين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى