التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم حض - سبحانه - عباده على التفكر في مظاهر قدرته فقال - تعالى - :﴿أَلَمْ يَرَوْاْ إلى الطير مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السمآء مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الله﴾.
والطير : جمع طائر، كركب وراكب. و ﴿مسخرات﴾، من التسخير، بمعنى : التذليل والانقياد، أي : ألم ينظر هؤلاء الذين أشركوا مع الله آلهة أخرى في العبادة، إلى الطيور وهن يسبحن في الهواء المتباعد بين الأرض والسماء، ما يمسكهن في حال قبضهن وبسطهن لأجنحتهن إلا الله - تعالى -، بقدرته الباهرة، وبنواميسه التي أودعها في فطرة الطير.
إنهم لو نظروا نظر تأمل وتعقل، لعلموا أن المسخر لهن هو الله الذي لا معبود بحق سواه، وفي قوله - تعالى - :﴿مسخرات﴾، إشارة إلى أن طيرانها في الجو ليس بمقتضى طبعها، وإنما هو بتسخير الله تعالى لها، وبسبب ما أوجد لها من حواس ساعدتها على ذلك، كالأجنحة وغيرها. وأضاف - سبحانه - الجو إلى السماء لارتفاعه عن الأرض، ولإظهار كمال قدرته - سبحانه -.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله :﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
أي : إن في ذلك التسخير والتذليل للطير على هذه الصفة، ﴿لآيات﴾ بينات على قدرة الله - تعالى - ووحدانيته، ﴿لقوم يؤمنون﴾ بالحق، ويفتحون قلوبهم له، ويسمون بأنفسهم عن التقليد الباطل.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى