اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿وَأَلْقَوْاْ إلى الله يَوْمَئِذٍ السلم﴾، العامة على فتح السين واللام.
وقرأ أبو عمرو(١) في رواية : بسكون اللام، ومجاهد : بضمِّ السين(٢) واللام، وكأنَّه جمع سلام ؛ نحو : قُذال وقُذُل، والسَّلاَمُ والسَّلَمُ واحد، وقد تقدَّم الكلام عليهما في سورة النساء.

فصل


والمعنى : أن المشركين إذا رأوا تلك الشُّركاء، ﴿قَالُواْ رَبَّنَا هؤلاء شُرَكَآؤُنَا الذين كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِك﴾، وفائدة هذا القول من وجهين :
الأول : قال أبو مسلم - رحمه الله- :" مقصود المشركين إحالةُ الذَّنب على الأصنام ؛ ظنًّا منهم أن ذلك ينجيهم من عذاب الله، أو ينقص من عذابهم، عند هذا تكذِّبهم تلك الأصنام ".
قال القاضي(٣) :" هذا بعيدٌ ؛ لأن الكفار يعلمون علماً ضروريًّا في الآخرة أنَّ العذاب ينزل بهم، ولا ينفعهم فدية ولا شفاعة ".
والثاني : أن المشركين يقولون هذا الكلام تعجُّباً من حضور تلك الأصنام، مع أنه لا ذنب لها، واعترافاً بأنَّهم كانوا مخطئين في عبادتها.
ثم حكى - تعالى - أنَّ الأصنام يكذبونهم، فقال :﴿فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، والمعنى : أنه - تعالى - يخلق الحياة والعقل والنطق في تلك الأصنام فيلقوا إليهم، أي : يقولون لهم :" إنَّكُم لكَاذِبُونَ ".
فإن قيل : إن المشركين لم يقولوا، بل أشاروا إلى الأصنام، فقالوا : هؤلاء شركاؤنا الذين كنَّا ندعو من دونك، وقد كانوا صادقين في كلِّ ذلك، فكيف قالت الأصنام " إنَّكم لكَاذبُونَ " ؟. فالجواب من وجوه : أصحها : أن المراد من قولهم :" هؤلاء شُركاؤنَا "، أي : أنَّ هؤلاء هم الَّذين كنَّا نقول : إنهم شركاء الله في المعبودية، فالأصنام كذَّبوهم في إثبات هذه الشركة. وقيل : المراد : إنَّهم لكاذبون في قولهم : إنَّا نستحقُّ العذاب بدليل قوله - تعالى - :﴿كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ [مريم: ٨٢]. ثم قال :﴿وَأَلْقَوْاْ إلى الله يَوْمَئِذٍ السلم﴾، قال الكلبي : استسلم العابد والمعبود، وأقرُّوا لله بالرُّبوبية وبالبراءة عن الشركاء والأنداد. وقيل : استسلم المشركون يومئذ إلى الله تعالى وإنفاذ الحكمة فيهم، ولم تغنِ عنهم آلهتهم شيئاً. ﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ : زال عنهم ما كانوا يفترون من أنَّها تشفع لهم عند الله، وقيل : ذهب ما زيَّن لهم الشيطان من أن لله صاحبة وشريكاً.
١ ينظر: البحر ٥/٥١٠، والمحرر ٨/٤٩١، والدر ٤/٣٥٤..
٢ ينظر: البحر ٥/٥١٠، والدر المصون ٤/٣٥٤..
٣ ينظر: الفخر الرازي ٢٠/٧٨..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى