غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
الوقوف :﴿خيراً لكم﴾ ط. ﴿والأرض﴾ ط ﴿حكيماً﴾ ه ﴿إلاّ الحق﴾ ط. ﴿وكلمته﴾ ج للاستئناف مع اتحاد المقصود. ﴿وروح منه﴾ ز لعطف المختلفين ولكن فاء التعقيب توجب تعجيل الإيمان مع تمام البيان. ﴿ورسله﴾ ط. ﴿ثلاثة﴾ ط ﴿خيراً لكم﴾ ط ﴿إله واحد﴾ ط. ﴿ولد﴾ ج لأن المنفي منه مطلق الولد ولو وصل أوهم أن المنفي ولد موصوف بأنه له ما في السماوات وما في الأرض. ﴿وكيلاً﴾ ه ﴿المقربون﴾ ط ﴿جميعاً﴾ ه. ﴿من فضله﴾ ج ﴿أليماً﴾ ه ﴿ولا نصيراً﴾ ه ﴿مبيناً﴾ ه ﴿وفضل﴾ لا للعطف. ﴿مستقيماً﴾ ه ﴿يستفتونك﴾ ط. ﴿الكلالة﴾ ط ﴿ما ترك﴾ ج لأن ما بعده مبتدأ ولكن الكلام متحد البيان. ﴿لها ولد﴾ ط لأن جملة الشرط تعود إلى قوله :﴿فلها نصف﴾ وبينهما عارض ﴿مما ترك﴾ ط لابتداء حكم جامع للصنفين. ﴿الأنثيين﴾ ط ﴿أن تضلوا﴾ ط ﴿عليم﴾ ه.
ثم إنه سبحانه ختم السورة بنحو مما بدأها به وهو أحكام المواريث فقال :﴿يستفتونك﴾ الآية.
قال أهل العلم : إنّ الله تعالى أنزل في الكلالة آيتين إحداهما في الشتاء وهي التي في أول هذه السورة، والأخرى في الصيف وهي هذه ولهذا تسمى آية الصيف. عن جابر قال : اشتكيت فدخل عليّ رسول الله ﷺ وعندي سبع أخوات فنفخ في وجهي فأفقت فقلت : يا رسول الله أوصي لأخواتي بالثلث. قال : أحسن. فقلت : الشطر ؟ قال : أحسن. ثم خرج وتركني قال : ثم دخل فقال : يا جابر إني لا أراك تموت في وجعك هذا وإن الله قد أنزل فبيّن الذي لأخواتك وجعل لأخواتك الثلثين. وروي أنه آخر ما نزل من الأحكام كان رسول الله ﷺ في طريق مكة عام حجة الوداع فأتاه جابر بن عبد الله فقال : إن لي أختاً فكم آخذ من ميراثها إن ماتت ؟ فنزلت. هذا وقد تقدم أن الكلالة اسم يقع على الوارث وهو من عد الوالد والولد وعلى المورث وهو الذي لا ولد له ولا والدين. ﴿إن امرؤ هلك﴾ ارتفع ﴿امرؤ﴾ بمضرم يفسره هذا الظاهر، ومحل ﴿ليس له ولد﴾ الرفع على الصفة أي إن هلك امرؤ وغير ذي ولد. اعلم أن ظاهر الآية مطلق ولا بد فيه من تقييدات ثلاثة : الأول أن الولد مطلق والمراد به الابن لأنه هو الذي يسقط الأخت، وأما البنت فلا تسقطها ولكنها تعصبها لما روي عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قضى في بنت وبنت ابن وأخت بأن للبنت النصف ولبنت الابن السدس والباقي للأخت. فعلى هذا فلو خلف بنتاً وأختاً فللبنت النصف والباقي للأخت بالعصوبة. الثاني أن ظاهر الآية يقتضي أنه إذا لم يكن للميت ولد فإن الأخت تأخذ النصف وليس كذلك على الإطلاق، بل الشرط أن لا يكون للميت ولد ولا والد لأن الأخت لا ترث مع الوالد بالإجماع. الثالث قوله :﴿وله أخت﴾ المراد الأخت من الأب والأم أو من الأب لأن الأخت من الأم والأخ من الأم ذكر حكمهما في أول السورة بالإجماع. ثم قال :﴿وهو يرثها﴾ أي وأخوها يرثها ويستغرق مالها إن قدر الأمر على العكس من موتها وبقائه بعدها ﴿إن لم يكن لها ولد﴾ أي ابن كما قلنا لأن الابن يسقط الأخ دون البنت. وأيضاً إن هذا في الأخ من الأبوين أو من الأب، أما الأخ من الأم فإنه لا يستغرق الميراث. وأيضاً المراد إن لم يكن لها ولد ولا والد لأن الأب أيضاً مسقط للأخ لقوله ﷺ :" ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى عصبة ذكر " والأب أولى من الأخ. ثم قال :﴿وإن كانتا﴾ يعني من يرث بالإخوة ﴿اثنتين﴾ فأنث وثنى باعتبار الخبر كقولهم من كانت أمك وكذا الكلام في قوله :﴿وإن كانوا إخوة﴾ وأراد بالإخوة الإخوة والأخوات لكنه غلب جانب الذكورة.
روي أن الصديق قال في خطبة : ألا إنّ الآيات التي أنزلها الله في سورة النساء في الفرائض أولاها في الوالد والولد، وثانيتها في الزوج والزوجة والإخوة من الأم، والتي ختم بها السورة في الإخوة والأخوات من الأب والأم، والتي ختم بها الأنفال في أولي الأرحام ﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾ قال البصريون : المضاف محذوف أي كراهة أن تضلوا. وقال الكوفيون : لئلا تضلوا. وقال الجرجاني صاحب النظم : يبين الله لكم الضلالة لتعلموا أنها ضلالة فتتجنبوها ﴿والله بكل شيء عليم﴾ فيكون بيانه حقاً وتعريفه صدقاً. ختم السورة ببيان كمال العلم كما أنه ابتدأها بكمال القدرة فبهما تتم الإلهية ويحصل الترهيب والترغيب للعاصي والمطيع والله المستعان.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض﴾ يعني إن تؤمنوا يكن لكم ماله وإن تكفروا فالكل له ﴿لا تغلوا في دينكم﴾ لا تميلوا إلى طرفي التفريط والإفراط. فاليهود فرطوا في شأنه فلم يقبلوه نبياً وهموا بقتله، والنصارى أفرطوا في حبه فجعلوه ابن الله، وكذلك كل ولي له سبحانه يشقى قوم بترك احترامه وطلب أذيته، وقوم بالزيادة في إعظامه حتى يعتقد فيه ما ليس يرضى به كالخوارج والغلاة من الشيعة ولهذا قال رسول الله ﷺ :" لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم ". ﴿وروح منه﴾ لأنه تكوّن بأمركن من غير واسطة أب كما أن الروح تكون كذلك ﴿قل الروح من أمر ربي﴾[الإسراء: ٨٥] ولغلبة جانب الروحانية عليه كان يحيي الأجساد الميتة إذ ينفخ فيها وهذا الاستعداد الروحاني الذي هو من كلمة الله مركوز في جبلة الإنسان ؛ فمن تخلص جوهر روحانيته من معدن بشريته في إنسانيته يكون عيسى وقته فيحيي الله تعالى بأنفاسه القلوب الميتة ويفتح به آذاناً صماً وعيوناً عمياً فيكون في قومه كالنبي في أمته ﴿ولا تقولوا ثلاثة﴾ يعني نفوسكم والرسول والله. بل انتهوا بنظر الوحدة عن رؤية الثلاثة فينكشف لكم ﴿إنما الله إله واحد﴾ سبحانه أنه يتولد من وحدانيته شيء له الوجود الحقيقي القائم الدائم أولاً وأخرا وظاهراً وباطناً ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾[القصص: ٨٨] ﴿وكفى بالله وكيلاً﴾ لكل هالك. ﴿لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً الله﴾ لأن العبدية وهي حقيقة الإمكان الذاتي واجبة له ولهذا نطق في المهد بقوله :﴿إني عبد الله﴾[ مريم٣٠ ] ﴿ولا الملائكة المقربون﴾ إنما ذكرهم لأن بعض الكفار كانوا يقولون الملائكة بنات الله كما قالت النصارى المسيح ابن الله. ﴿قد جاءكم برهان﴾ جعل نفس النبي برهاناً لأنه برهان بالكلية وبرهان غيره كان في أشياء غير أنفسهم مثل ما كان برهان موسى في عصاه. فمن ذلك برهان بصره ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾[النجم: ١٧] ومنه برهان أنفه " إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن " ومنه برهان لسانه ﴿وما ينطق عن الهوى﴾[النجم: ٣] وبرهان بصاقه بصق في العجين وفي البرمة فأكلوا من ذلك وهم ألف حتى تركوه والبرمة تفور كما هي والعجين يخبز. وبرهان تفله تفل في عين علي كرم الله وجهه وهي ترمد فبرأ بإذن الله وذلك يوم خيبر، وبرهان يده ﴿وما رميت إذ رميت﴾[الأنفال: ١٧] وسبح الحصى في يده، وبرهان أصبعه أشار بها إلى القمر فانشق فلقتين، وقد جرى الماء من بين أصابعه حتى شرب ورفع منه خلق كثير، وبرهان صدره كان يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل. ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾[الشرح: ١] وبرهان قلبه " تنام عيناي ولا ينام قلبي " ﴿نزل به الروح الأمين على قلبك﴾[الشعراء: ١٩٣] وبرهان كله ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾[الإسراء: ١] اللهم ارزقنا الاقتناص من هذا البرهان والاقتباس من أنوار القرآن إنك أنت الرؤوف المنان.
التأويل :﴿وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض﴾ يعني إن تؤمنوا يكن لكم ماله وإن تكفروا فالكل له ﴿لا تغلوا في دينكم﴾ لا تميلوا إلى طرفي التفريط والإفراط. فاليهود فرطوا في شأنه فلم يقبلوه نبياً وهموا بقتله، والنصارى أفرطوا في حبه فجعلوه ابن الله، وكذلك كل ولي له سبحانه يشقى قوم بترك احترامه وطلب أذيته، وقوم بالزيادة في إعظامه حتى يعتقد فيه ما ليس يرضى به كالخوارج والغلاة من الشيعة ولهذا قال رسول الله ﷺ :" لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم ". ﴿وروح منه﴾ لأنه تكوّن بأمركن من غير واسطة أب كما أن الروح تكون كذلك ﴿قل الروح من أمر ربي﴾[الإسراء: ٨٥] ولغلبة جانب الروحانية عليه كان يحيي الأجساد الميتة إذ ينفخ فيها وهذا الاستعداد الروحاني الذي هو من كلمة الله مركوز في جبلة الإنسان ؛ فمن تخلص جوهر روحانيته من معدن بشريته في إنسانيته يكون عيسى وقته فيحيي الله تعالى بأنفاسه القلوب الميتة ويفتح به آذاناً صماً وعيوناً عمياً فيكون في قومه كالنبي في أمته ﴿ولا تقولوا ثلاثة﴾ يعني نفوسكم والرسول والله. بل انتهوا بنظر الوحدة عن رؤية الثلاثة فينكشف لكم ﴿إنما الله إله واحد﴾ سبحانه أنه يتولد من وحدانيته شيء له الوجود الحقيقي القائم الدائم أولاً وأخرا وظاهراً وباطناً ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾[القصص: ٨٨] ﴿وكفى بالله وكيلاً﴾ لكل هالك. ﴿لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً الله﴾ لأن العبدية وهي حقيقة الإمكان الذاتي واجبة له ولهذا نطق في المهد بقوله :﴿إني عبد الله﴾[ مريم٣٠ ] ﴿ولا الملائكة المقربون﴾ إنما ذكرهم لأن بعض الكفار كانوا يقولون الملائكة بنات الله كما قالت النصارى المسيح ابن الله. ﴿قد جاءكم برهان﴾ جعل نفس النبي برهاناً لأنه برهان بالكلية وبرهان غيره كان في أشياء غير أنفسهم مثل ما كان برهان موسى في عصاه. فمن ذلك برهان بصره ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾[النجم: ١٧] ومنه برهان أنفه " إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن " ومنه برهان لسانه ﴿وما ينطق عن الهوى﴾[النجم: ٣] وبرهان بصاقه بصق في العجين وفي البرمة فأكلوا من ذلك وهم ألف حتى تركوه والبرمة تفور كما هي والعجين يخبز. وبرهان تفله تفل في عين علي كرم الله وجهه وهي ترمد فبرأ بإذن الله وذلك يوم خيبر، وبرهان يده ﴿وما رميت إذ رميت﴾[الأنفال: ١٧] وسبح الحصى في يده، وبرهان أصبعه أشار بها إلى القمر فانشق فلقتين، وقد جرى الماء من بين أصابعه حتى شرب ورفع منه خلق كثير، وبرهان صدره كان يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل. ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾[الشرح: ١] وبرهان قلبه " تنام عيناي ولا ينام قلبي " ﴿نزل به الروح الأمين على قلبك﴾[الشعراء: ١٩٣] وبرهان كله ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾[الإسراء: ١] اللهم ارزقنا الاقتناص من هذا البرهان والاقتباس من أنوار القرآن إنك أنت الرؤوف المنان.
ثم إنه سبحانه ختم السورة بنحو مما بدأها به وهو أحكام المواريث فقال :﴿يستفتونك﴾ الآية.
قال أهل العلم : إنّ الله تعالى أنزل في الكلالة آيتين إحداهما في الشتاء وهي التي في أول هذه السورة، والأخرى في الصيف وهي هذه ولهذا تسمى آية الصيف. عن جابر قال : اشتكيت فدخل عليّ رسول الله ﷺ وعندي سبع أخوات فنفخ في وجهي فأفقت فقلت : يا رسول الله أوصي لأخواتي بالثلث. قال : أحسن. فقلت : الشطر ؟ قال : أحسن. ثم خرج وتركني قال : ثم دخل فقال : يا جابر إني لا أراك تموت في وجعك هذا وإن الله قد أنزل فبيّن الذي لأخواتك وجعل لأخواتك الثلثين. وروي أنه آخر ما نزل من الأحكام كان رسول الله ﷺ في طريق مكة عام حجة الوداع فأتاه جابر بن عبد الله فقال : إن لي أختاً فكم آخذ من ميراثها إن ماتت ؟ فنزلت. هذا وقد تقدم أن الكلالة اسم يقع على الوارث وهو من عد الوالد والولد وعلى المورث وهو الذي لا ولد له ولا والدين. ﴿إن امرؤ هلك﴾ ارتفع ﴿امرؤ﴾ بمضرم يفسره هذا الظاهر، ومحل ﴿ليس له ولد﴾ الرفع على الصفة أي إن هلك امرؤ وغير ذي ولد. اعلم أن ظاهر الآية مطلق ولا بد فيه من تقييدات ثلاثة : الأول أن الولد مطلق والمراد به الابن لأنه هو الذي يسقط الأخت، وأما البنت فلا تسقطها ولكنها تعصبها لما روي عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قضى في بنت وبنت ابن وأخت بأن للبنت النصف ولبنت الابن السدس والباقي للأخت. فعلى هذا فلو خلف بنتاً وأختاً فللبنت النصف والباقي للأخت بالعصوبة. الثاني أن ظاهر الآية يقتضي أنه إذا لم يكن للميت ولد فإن الأخت تأخذ النصف وليس كذلك على الإطلاق، بل الشرط أن لا يكون للميت ولد ولا والد لأن الأخت لا ترث مع الوالد بالإجماع. الثالث قوله :﴿وله أخت﴾ المراد الأخت من الأب والأم أو من الأب لأن الأخت من الأم والأخ من الأم ذكر حكمهما في أول السورة بالإجماع. ثم قال :﴿وهو يرثها﴾ أي وأخوها يرثها ويستغرق مالها إن قدر الأمر على العكس من موتها وبقائه بعدها ﴿إن لم يكن لها ولد﴾ أي ابن كما قلنا لأن الابن يسقط الأخ دون البنت. وأيضاً إن هذا في الأخ من الأبوين أو من الأب، أما الأخ من الأم فإنه لا يستغرق الميراث. وأيضاً المراد إن لم يكن لها ولد ولا والد لأن الأب أيضاً مسقط للأخ لقوله ﷺ :" ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى عصبة ذكر " والأب أولى من الأخ. ثم قال :﴿وإن كانتا﴾ يعني من يرث بالإخوة ﴿اثنتين﴾ فأنث وثنى باعتبار الخبر كقولهم من كانت أمك وكذا الكلام في قوله :﴿وإن كانوا إخوة﴾ وأراد بالإخوة الإخوة والأخوات لكنه غلب جانب الذكورة.
روي أن الصديق قال في خطبة : ألا إنّ الآيات التي أنزلها الله في سورة النساء في الفرائض أولاها في الوالد والولد، وثانيتها في الزوج والزوجة والإخوة من الأم، والتي ختم بها السورة في الإخوة والأخوات من الأب والأم، والتي ختم بها الأنفال في أولي الأرحام ﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾ قال البصريون : المضاف محذوف أي كراهة أن تضلوا. وقال الكوفيون : لئلا تضلوا. وقال الجرجاني صاحب النظم : يبين الله لكم الضلالة لتعلموا أنها ضلالة فتتجنبوها ﴿والله بكل شيء عليم﴾ فيكون بيانه حقاً وتعريفه صدقاً. ختم السورة ببيان كمال العلم كما أنه ابتدأها بكمال القدرة فبهما تتم الإلهية ويحصل الترهيب والترغيب للعاصي والمطيع والله المستعان.
التأويل :﴿وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض﴾ يعني إن تؤمنوا يكن لكم ماله وإن تكفروا فالكل له ﴿لا تغلوا في دينكم﴾ لا تميلوا إلى طرفي التفريط والإفراط. فاليهود فرطوا في شأنه فلم يقبلوه نبياً وهموا بقتله، والنصارى أفرطوا في حبه فجعلوه ابن الله، وكذلك كل ولي له سبحانه يشقى قوم بترك احترامه وطلب أذيته، وقوم بالزيادة في إعظامه حتى يعتقد فيه ما ليس يرضى به كالخوارج والغلاة من الشيعة ولهذا قال رسول الله ﷺ :" لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم ". ﴿وروح منه﴾ لأنه تكوّن بأمركن من غير واسطة أب كما أن الروح تكون كذلك ﴿قل الروح من أمر ربي﴾[الإسراء: ٨٥] ولغلبة جانب الروحانية عليه كان يحيي الأجساد الميتة إذ ينفخ فيها وهذا الاستعداد الروحاني الذي هو من كلمة الله مركوز في جبلة الإنسان ؛ فمن تخلص جوهر روحانيته من معدن بشريته في إنسانيته يكون عيسى وقته فيحيي الله تعالى بأنفاسه القلوب الميتة ويفتح به آذاناً صماً وعيوناً عمياً فيكون في قومه كالنبي في أمته ﴿ولا تقولوا ثلاثة﴾ يعني نفوسكم والرسول والله. بل انتهوا بنظر الوحدة عن رؤية الثلاثة فينكشف لكم ﴿إنما الله إله واحد﴾ سبحانه أنه يتولد من وحدانيته شيء له الوجود الحقيقي القائم الدائم أولاً وأخرا وظاهراً وباطناً ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾[القصص: ٨٨] ﴿وكفى بالله وكيلاً﴾ لكل هالك. ﴿لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً الله﴾ لأن العبدية وهي حقيقة الإمكان الذاتي واجبة له ولهذا نطق في المهد بقوله :﴿إني عبد الله﴾[ مريم٣٠ ] ﴿ولا الملائكة المقربون﴾ إنما ذكرهم لأن بعض الكفار كانوا يقولون الملائكة بنات الله كما قالت النصارى المسيح ابن الله. ﴿قد جاءكم برهان﴾ جعل نفس النبي برهاناً لأنه برهان بالكلية وبرهان غيره كان في أشياء غير أنفسهم مثل ما كان برهان موسى في عصاه. فمن ذلك برهان بصره ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾[النجم: ١٧] ومنه برهان أنفه " إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن " ومنه برهان لسانه ﴿وما ينطق عن الهوى﴾[النجم: ٣] وبرهان بصاقه بصق في العجين وفي البرمة فأكلوا من ذلك وهم ألف حتى تركوه والبرمة تفور كما هي والعجين يخبز. وبرهان تفله تفل في عين علي كرم الله وجهه وهي ترمد فبرأ بإذن الله وذلك يوم خيبر، وبرهان يده ﴿وما رميت إذ رميت﴾[الأنفال: ١٧] وسبح الحصى في يده، وبرهان أصبعه أشار بها إلى القمر فانشق فلقتين، وقد جرى الماء من بين أصابعه حتى شرب ورفع منه خلق كثير، وبرهان صدره كان يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل. ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾[الشرح: ١] وبرهان قلبه " تنام عيناي ولا ينام قلبي " ﴿نزل به الروح الأمين على قلبك﴾[الشعراء: ١٩٣] وبرهان كله ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾[الإسراء: ١] اللهم ارزقنا الاقتناص من هذا البرهان والاقتباس من أنوار القرآن إنك أنت الرؤوف المنان.