اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
" فكيف " فيها ثلاثة أقْوَال :
أحدها : أنَّها في مَحَلِّ رفْع خَبَراً لمبْتَدأ مَحْذُوف، أي : فكيف [ تكُون ](١) حالهم أو صُنْعُهم، والعَامِل في " إذَا " هو هَذَا المُقَدَّر.
والثاني : أنها في مَحَلِّ نَصْب بِفْعِل مَحْذُوف، أي : فكيف تكُونونُ أو تَصْنَعُون، ويَجْرِي فيها الوَجْهَان : النَّصْب على التَّشْبِيه بالحَالِ ؛ كما هو مَذْهَب سَيبويْه، أو على التَّشْبِيه بالظَّرفيّة ؛ كما هو مذهب الأخْفَش، وهو العَامِل في " إذَا " أيْضَاً.
والثالث : حكاه ابن عَطيّة(٢) عن مَكِّي أنها معمولة ل ﴿جِئْنَا﴾، وهذا غَلَطٌ فاحِشٌ.
قوله ﴿مِن كُلِّ﴾ فيه وجْهَان : أحدهما : أنه مُتعلِّق ب ﴿جِئْنَا﴾.
والثاني :[ أنه متعلِّقٌ ](٣) بمحذوفٍ على أنَّه حَالٌ من ﴿شَهِيداً﴾، وذلك على رَأي من يُجَوِّزُ تقديم حالِ المجرُور بالحَرْفِ عليْهِ، كما تقدَّم، والمشهود مَحْذُوف، أي : شهيد على أمَّتِه.

فصل : معنى ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا﴾


من عَادَة العرب أنَّهم يقُولُون في الشَّيء الذي يتوقَّعُونَهُ : كيف بك إذا كان كَذَا وكَذَا، ومعنى الكلام : كيْفَ يرون [ يَوْمَ ](٤) القيامة : إذا اسْتَشْهَد الله على كُلِّ أمَّة برسُولِهَا يشهد عليهم(٥) بما عَمِلُوا، ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ أي : شاهداً على جميع الأمَمِ.
روى أبو مَسْعُود ؛ " قال : قال النبيُّ ﷺ :" اقْرَأ عَلَيَّ ". فقلت : يا رسُول الله، أَقْرَأ عَلَيْكَ، وعَلَيْكَ أنْزِلَ ؟ قال :" نَعَم، أحِبُّ أن أسْمَعَهُ من غَيْرِي "، فقرأت سُورة النِّسَاء حتى أتيْتُ إلى هذه الآيةِ، قال : حَسْبُك الآن، فالتَفَتُّ إلَيْه فإذا عَيْنَاهُ تَذْرِفان " (٦).
قوله ﴿وَجِئْنَا بِكَ﴾ في هذه الجُمْلَة ثلاثة أوجه :
أظهرها(٧) : أنها في مَحَلِّ جرِّ عطفاً على ﴿جِئْنَا﴾ الأولى(٨)، أي : فكيف تصنعون في وَقْتِ المجيئين.
والثاني : أنها في مَحَلِّ نصب على الحَالِ و " قَدْ " مُرَادةٌ معها، والعَامِلُ فيها ﴿جِئْنَا﴾ [ الأولى، أي : جئنا ](٩) من كُلِّ أمَّة بشهيدٍ وقد جِئْنَا ؛ وفيه نَظَر.
الثالث : أنها مُسْتأنَفَة فلا مَحَل لها قال أبُو البَقَاء(١٠) ويجوز أن تكون مُسْتأنفَة، ويكون المَاضِي بمعنى المُسْتَقْبَل انتهى.
وإنما احْتَاج [ إلى ذلك ](١١) ؛ لأن المَجِيءَ بعد لَمْ(١٢) يَقَع فادّعى ذلك، والله أعْلَم.
قوله :﴿عَلَى هَؤُلاءِ﴾ متعلِّق ب ﴿شَهِيداً﴾(١٣) و " عَلَى " على بابها، وقيل : بمعْنَى اللام، وفيه بُعْدٌ [ وأجيز أن يكُونَ " عَلَى " متعلِّقَة بمحذُوفٍ على أنَّها حالٌ من ﴿شَهِيداً﴾ وفيه بُعْدٌ ](١٤)، و ﴿شَهِيداً﴾ حالٌ من الكَافِ في " بِكَ ".
١ سقط في أ..
٢ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٥٥..
٣ سقط في أ..
٤ سقط في أ..
٥ في ب: عليهم..
٦ أخرجه البخاري (٨/٢٥٠) كتاب التفسير (٤٥٨٢) وفضائل القرآن (٥٠٤٩، ٥٠٥٠) ومسلم كتاب صلاة المسافرين (٢٤٧ ـ ٨٠٠)، (٢٤٨/٨٠٠) عن عبد الله بن مسعود.
وأخرجه الحاكم (٣/٣١٩) عن عمرو بن حريث مطولا.
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي..

٧ في أ: أحدهما..
٨ في أ: الأول..
٩ سقط في أ..
١٠ ينظر: الإملاء ١/١٨١..
١١ سقط في أ..
١٢ في أ: بعده..
١٣ في أ: بشهيد..
١٤ سقط في ب..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى