البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً﴾ هو نبيهم يشهد عليهم بما فعلوا كما قال تعالى :﴿وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم﴾ والأمة هنا من بعث إليهم النبي من مؤمن به وكافر.
لمّا أعلم تعالى بعدله وإيتاء فضله أتبع ذلك بأن نبه على الحالة التي يحضرونها للجزاء ويشهد عليهم فيها.
وكيف في موضع رفع إن كان المحذوف مبتدأ التقدير : فكيف حال هؤلاء السابق ذكرهم، أو كيف صنعهم.
وهذا المبتدأ هو العامل في إذا، أو في موضع نصب إن كان المحذوف فعلاً أي : فكيف يصنعون، أو كيف يكونون.
والفعل أيضاً هو العامل في إذا.
ونقل ابن عطية عن مكيّ : أن العامل في كيف جئنا.
قال : وهو خطأ، والاستفهام هنا للتوبيخ، والتقريع، والإشارة بهؤلاء إلى أمة الرسول.
وقال مقاتل : إلى الكفار.
وقيل : إلى اليهود والنصارى.
وقيل : إلى كفار قريش.
وقيل : إلى المكذبين وشهادته بالتبليغ لأمته قاله : ابن مسعود، وابن جريج، والسدي، ومقاتل.
أو بإيمانهم قاله أبو العالية، أو بأعمالهم قاله : مجاهد وقتادة.
والظاهر أن الشهادة تكون على المشهود عليهم.
وقيل : على بمعنى اللام، أي : وجئنا بك لهؤلاء، وهذا فيه بعد.
وقال الزجاجي : يشهد لهم وعليهم، وحذف المشهود عليهم في قوله : إذا جئنا من كل أمة بشهيد لجريان ذكره في الجار والمجرور فاختصر، والتقدير : من كل أمة بشهيد على أمته.
وظاهر المقابلة يقتضي أن تكون الشهادة عليهم لا لهم، ولا يكون عليهم إلا والمشهود عليهم كانوا منكرين مكذبين بما شهد عليهم به.
وروي أن رسول الله ﷺ : كان إذا قرأ هذه الآية فاضت عيناه، وكذلك حين قرأ عليه ابن مسعود ذرفت عيناه وبكاؤه والله أعلم هو إشفاق على أمته ورحمة لهم من هول ذلك اليوم.
وظاهر قوله : وجئنا بك، أنه معطوف على قوله : جئنا من كل أمة.
وقيل : حال على تقدير قد أي وقد جئنا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وتضمنت هذه الآيات أنواعاً من الفصاحة والبلاغة والبديع.
قالوا : التجوز بإطلاق الشيء على ما يقاربه في المعنى في قوله : إن الله لا يظلم، أطلق الظلم على انتقاص الأجر من حيث أن نقصه عن الموعود به قريب في المعنى من الظلم.
والتنبيه بما هو أدنى على ما هو أعلى في قوله : مثقال ذرة.
والإبهام في قوله : يضاعفها، إذ لم يبين فيه المضاعفة في الأجر.
والسؤال عن المعلوم لتوبيخ السامع، أو تقريره لنفسه في : فكيف إذا جئنا.
والعدول من بناء إلى بناء لمعنى في : بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً.
والتجنيس المماثل في : وجئنا وفي : وجئنا وفي : بشهيد وشهيداً.
والتجنيس المغاير : في واسمع غير مسمع.
والتجوز بإطلاق المحل على الحال فيه في : من الغائط.
والكناية في : أو لامستم النساء.
والتقديم والتأخير في : إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا إلى قوله : فتيمموا.
والاستفهام المراد به التعجب في : ألم تر.
والاستعارة في : يشترون الضلالة.
والطباق في : هذا أي بالهدى، والطباق الظاهر في : وعصينا وأطعنا.
والتكرار في : وكفى بالله ولياً، وكفى بالله، وفي سمعنا وسمعنا.
والحذف في عدة مواضع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى