بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ أي فكيف يصنعون ؟ وكيف يكون حالهم ؟ إذا جئنا من كل أمة بشهيد، يعني بنبيها هو شاهد بتبليغ الرسالة من ربهم ﴿وَجِئْنَا بِكَ﴾ يا محمد ﴿على هَؤُلاء شَهِيداً﴾ يعني على أمتك شهيداً بالتصديق لهم، لأن أمته يشهدون على الأمم المكذبة للرسالة، وذلك أنه إذا كان يوم القيامة يقول الله تعالى للأمم الخالية : هل بلغتكم الرسل رسالاتي ؟ فيقولون : لا. فقالت الرسل : قد بلغنا ولنا شهود، فيقول عز وجل : ومن شهودكم ؟ فيقولون : أمة محمد ﷺ، فيؤتى بأمة محمد ﷺ فيشهدون بتبليغ الرسالة، بما أوحي إليهم من ربهم في كتابهم في قصة الأمم الخالية.
فتقول الأمم الماضية : إن فيهم زواني وشارب الخمر، فلا يقبل شهادتهم، فيزكيهم النبي ﷺ فيقول المشركون :﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [سورة الأنعام: ٢٣] فيختم على أفواههم وتشهد أيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون، فذلك قوله تعالى ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرسول لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض﴾ أي تخسف بهم الأرض. ويقال :﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ الرسل يشهدون على قومهم بتبليغ الرسالة، ويشهد النبي ﷺ على أمته بتبليغ الرسالة من قبل ومن لم يقبل.
حدّثنا الخليل بن أحمد، قال : حدّثنا أبو منيع، قال : حدّثنا أبو كامل، قال : حدّثنا فضيل عن يونس بن محمد بن فضالة عن أبيه، أن رسول الله ﷺ أتاهم من بني ظفر، فجلس على الصخرة التي في بني ظفر، ومعه ابن مسعود، ومعاذ وناس من الصحابة، فأمر قارئاً فقرأ حتى إذا أتى على هذه الآية ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاء شَهِيداً﴾ بكى رسول الله ﷺ حتى اخضلت وجنتاه فقال :« يَا رَبّ هذا عِلْمِي بِمَنْ أَنَا بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ فَكَيْفَ بِمَنْ لَمْ أَرَهُمْ ؟ »

تفسير هذه الآية من كتب أخرى