تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور

عن الكتاب
ويجوز أن يكون الأمر في قوله :﴿فذرهم﴾ مستعملاً في تهديدهم لأنهم يسمعونه حين يقرأُ عليهم القرآن كما يقال للذي لا يرعوي عن غيه : دعه فإنه لا يقلع.
وأفادت الغاية أنه يتركهم إلى الأبد لأنهم بعد أن يصعقوا لا تُعاد محاجتهم بالأدلة والآيات.
وقرأ الجمهور ﴿يلاقوا﴾. وقرأه أبو جعفر ﴿يَلْقوا﴾ بدون ألف بعد اللام.
و « اليوم الذي فيه يصعقون » هو يوم البعث الذي يصعق عنده من في السماوات ومن في الأرض.
وإضافة اليوم إلى ضميرهم لأنهم اشتهروا بإنكاره وعرفوا بالذين لا يؤمنون بالآخرة. وهذا نظير النسب في قول أهل أصول الدين : فلان قدري، يريدون أنه لا يؤمن بالقدر. فالمعنى بنسبته إلى القدر أنه يخوض في شأنه، أو لأنه اليوم الذي أوعدوه، فالإِضافة لأدنى ملابسة.
ونظيره قوله تعالى :﴿وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون﴾ [الأنبياء: ١٠٣].
والصعق : الإِغماء من خوف أو هلع قال تعالى :﴿وخر موسى صعقاً﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وأصله مشتق من الصاعقة لأن المصاب بها يُغمى عليه أو يموت، يقال : صَعِق، بفتح فكسر، وصُعِق بضم وكسر.
وقرأه الجمهور ﴿يصعقون﴾ بفتح المثناة التحتية، وقرأه ابن عامر وعاصم بضم المثناة.
وذلك هو يوم الحشر قال تعالى :﴿ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء اللَّه﴾ [الزمر: ٦٨]، وملاقاتهم لليوم مستعارة لوقوعه، شُبه اليوم وهو الزمان بشخص غائب على طريقة المكنية وإثباتُ الملاقاة إليه تخييل. والملاقاة مستعارة أيضاً للحلول فيه، والإتيان بالموصول للتنبيه على خطئهم في إنكاره.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى