التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي
عن الكتاب
تفسير سورة الزّمر
تنزيل القرآن وغاياته
تفضل الله تعالى على عباده بأعظم هدية وأكرم منحة خالدة: ألا وهي تنزيل القرآن الكريم تدريجا في مبدأ الأمر والوحي الإلهي إلى أن اكتمل وحفظ حفظا تاما في الصدور والكتابة، من غير زيادة ولا نقص فيه، ولا تعديل ولا تبديل لشيء فيه، وسيظل محفوظا بكفالة الله وتعهده إلى يوم القيامة، لأنه منهاج الحياة السديدة، في العقيدة، والعبادة، والمعاملة، والأخلاق، والعلاقات الإنسانية والاجتماعية. أنزله الله بالحق والميزان، فأبطل عقائد المشركين الوثنية، ونفى اتخاذ الله ولدا، وشرع شرائع الشرائع، وأبان الحلال والحرام، ونظم أصول الحياة والآداب والفضائل، لينقذ الله به العالمين من الضلالة إلى النور، ومن الزيغ والانحراف إلى طريق الهداية والاستقامة، قال الله تعالى مبينا مصدر القرآن، ومحددا غاياته وأهدافه في مطلع سورة الزمر:
«١» [الزمر: ٣٩/ ١- ٤].
تنزيل القرآن وغاياته
تفضل الله تعالى على عباده بأعظم هدية وأكرم منحة خالدة: ألا وهي تنزيل القرآن الكريم تدريجا في مبدأ الأمر والوحي الإلهي إلى أن اكتمل وحفظ حفظا تاما في الصدور والكتابة، من غير زيادة ولا نقص فيه، ولا تعديل ولا تبديل لشيء فيه، وسيظل محفوظا بكفالة الله وتعهده إلى يوم القيامة، لأنه منهاج الحياة السديدة، في العقيدة، والعبادة، والمعاملة، والأخلاق، والعلاقات الإنسانية والاجتماعية. أنزله الله بالحق والميزان، فأبطل عقائد المشركين الوثنية، ونفى اتخاذ الله ولدا، وشرع شرائع الشرائع، وأبان الحلال والحرام، ونظم أصول الحياة والآداب والفضائل، لينقذ الله به العالمين من الضلالة إلى النور، ومن الزيغ والانحراف إلى طريق الهداية والاستقامة، قال الله تعالى مبينا مصدر القرآن، ومحددا غاياته وأهدافه في مطلع سورة الزمر:
[سورة الزمر (٣٩) : الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (٢) أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ (٣) لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٤)«١» [الزمر: ٣٩/ ١- ٤].
(١) مرفوع بالابتداء، والخبر قوله: (من الله) أو أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذا تنزيل.
هذا الكتاب العظيم وهو القرآن الكريم تنزيل من الله تعالى، العزيز: في قدرته الذي لا يغلب، الحكيم في إبداعه وصنعه، فهو الكتاب الإلهي الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، إنا أنزلنا أيها النبي الرسول القرآن مقترنا بالحق، متضمنا إياه، أي الحق فيه وفي أحكامه وفي أخباره، فكل ما فيه حق، من إثبات التوحيد والنبوة والمعاد وأنواع الأحكام والتكاليف الشرعية، ولم ننزله مشوبا بالباطل الكاذب الذي لا قرار له.
فاعبد الله وحده لا شريك له، وادع الخلق إلى ذلك، وأخبرهم أنه لا تصلح العبادة إلا لله وحده، وأنه ليس له شريك ولا نظير.
والإخلاص: أن يقصد العبد بعمله وجه الله تعالى ورضوانه، ولا يقصد شيئا آخر. والدين: العبادة والطاعة، وأساس توحيد الله، وتنزيهه عن الشريك والنظير.
ألا لله العبادة والطاعة الخالصة من شوائب الشرك والرياء وغيره، وأما ما سواه من الدين، فليس بدين الله الخالص الذي أمر به.
ومعنى الآية: الأمر بتحقيق النية لله في كل عمل. والدين هنا: يعم المعتقدات وأعمال المكلفين العضوية التي يمارسونها. وقوله سبحانه: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ بمعنى: من حقه ومن واجباته، لا يقبل غيره.
وأما المشركون الذين والوا غير الله تعالى، وعبدوا سواه، وهي الأصنام أو الكواكب أو الملائكة أو بعض البشر، وقالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله تقريبا، ويشفعوا لنا عنده في حوائجنا، فهم في أسوأ عاقبة، وأقبح مصير، لذا هددهم الله بقوله: إن الله يحكم بين أهل الأديان يوم القيامة، ويفصل في خلافاتهم، ويجزي كل عامل بعمله، فيدخل الموحدين الجنة، ويدخل المشركين النار.
قال ابن عباس: أنزلت هذه الآية: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ في
فاعبد الله وحده لا شريك له، وادع الخلق إلى ذلك، وأخبرهم أنه لا تصلح العبادة إلا لله وحده، وأنه ليس له شريك ولا نظير.
والإخلاص: أن يقصد العبد بعمله وجه الله تعالى ورضوانه، ولا يقصد شيئا آخر. والدين: العبادة والطاعة، وأساس توحيد الله، وتنزيهه عن الشريك والنظير.
ألا لله العبادة والطاعة الخالصة من شوائب الشرك والرياء وغيره، وأما ما سواه من الدين، فليس بدين الله الخالص الذي أمر به.
ومعنى الآية: الأمر بتحقيق النية لله في كل عمل. والدين هنا: يعم المعتقدات وأعمال المكلفين العضوية التي يمارسونها. وقوله سبحانه: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ بمعنى: من حقه ومن واجباته، لا يقبل غيره.
وأما المشركون الذين والوا غير الله تعالى، وعبدوا سواه، وهي الأصنام أو الكواكب أو الملائكة أو بعض البشر، وقالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله تقريبا، ويشفعوا لنا عنده في حوائجنا، فهم في أسوأ عاقبة، وأقبح مصير، لذا هددهم الله بقوله: إن الله يحكم بين أهل الأديان يوم القيامة، ويفصل في خلافاتهم، ويجزي كل عامل بعمله، فيدخل الموحدين الجنة، ويدخل المشركين النار.
قال ابن عباس: أنزلت هذه الآية: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ في
ثلاثة أحياء: عامر وكنانة وبني سلمة، كانوا يعبدون الأوثان، ويقولون: الملائكة بناته، فقالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى.
ثم أخبر الله تعالى بما معناه: إن الله لا يهدي الكاذب الكفّار في حال كذبه وكفره، وعناده وإعراضه ومبالغته في الكفر والجحود، ولا يوفقه للاهتداء إلى الحق، فهو كاذب مفتر على الله، في زعمه أن لله ولدا، وأن تلك المعبودات الباطلة تشفع لعابديها، وتقربهم إلى الله تعالى.
ثم رد الله تعالى على زعم المشركين اتخاذ ولد لله، بقوله فيما معناه: لو شاء الله اتخاذ ولد، وهو لا يحتاج لذلك، لاختار من جملة خلقه موجوداته ومحدثاته ما يشاء أن يختاره، ولكان الأمر على خلاف ما يزعمون، فيختار أكمل الأولاد وهم الأبناء، لا البنات كما زعموا، والواقع أنه لا موجود سوى الله، ولا أحد غير الله إلا وهو مخلوق لله، ولا يصح أن يكون المخلوق ولدا للخالق. وقوله: مِمَّا يَخْلُقُ أي من موجوداته ومحدثاته.
ثم نزّه الله تعالى نفسه تنزيها مطلقا عن جميع الشركاء، فأخبر بقوله: تنزه الله وتقدس عن أن يكون له ولد، فإنه الإله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي يفتقر إليه كل شيء، والذي قهر الأشياء والمخلوقات كلها، فدانت لعظمته، وخضعت لسلطانه وهيبته.
عظمة القدرة الإلهية
في مناسبات مختلفة، يورد الله تعالى البراهين والأدلة الحسية القطعية على وحدانيته، وقدرته، واستغنائه عن مخلوقاته، ليقتنع اللادينيون من الملاحدة والمشركين بأن الله تعالى هو وحده الإله الحق، وأنه القادر على كل شيء، وأنه
ثم أخبر الله تعالى بما معناه: إن الله لا يهدي الكاذب الكفّار في حال كذبه وكفره، وعناده وإعراضه ومبالغته في الكفر والجحود، ولا يوفقه للاهتداء إلى الحق، فهو كاذب مفتر على الله، في زعمه أن لله ولدا، وأن تلك المعبودات الباطلة تشفع لعابديها، وتقربهم إلى الله تعالى.
ثم رد الله تعالى على زعم المشركين اتخاذ ولد لله، بقوله فيما معناه: لو شاء الله اتخاذ ولد، وهو لا يحتاج لذلك، لاختار من جملة خلقه موجوداته ومحدثاته ما يشاء أن يختاره، ولكان الأمر على خلاف ما يزعمون، فيختار أكمل الأولاد وهم الأبناء، لا البنات كما زعموا، والواقع أنه لا موجود سوى الله، ولا أحد غير الله إلا وهو مخلوق لله، ولا يصح أن يكون المخلوق ولدا للخالق. وقوله: مِمَّا يَخْلُقُ أي من موجوداته ومحدثاته.
ثم نزّه الله تعالى نفسه تنزيها مطلقا عن جميع الشركاء، فأخبر بقوله: تنزه الله وتقدس عن أن يكون له ولد، فإنه الإله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي يفتقر إليه كل شيء، والذي قهر الأشياء والمخلوقات كلها، فدانت لعظمته، وخضعت لسلطانه وهيبته.
عظمة القدرة الإلهية
في مناسبات مختلفة، يورد الله تعالى البراهين والأدلة الحسية القطعية على وحدانيته، وقدرته، واستغنائه عن مخلوقاته، ليقتنع اللادينيون من الملاحدة والمشركين بأن الله تعالى هو وحده الإله الحق، وأنه القادر على كل شيء، وأنه