اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
ثم قال :﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ بالعذاب والإهلاك :﴿ولكن ظلموا أَنفُسَهُمْ﴾ بالكُفْر والمعصية وقيل : الذي نزل بالقوم ليس بظلم من الله، بل هو عدلٌ وحكمةٌ ؛ لأنَّ القوم أولاً ظلموا أنفسهم بإقدامهم على الكفر والمعاصي، فاستوجبوا بتلك الأعمالِ من الله العذاب.
وقال ابن عباس : وما نقصناهم في الدنيا من النعم والرزق، ولكن نُقِصُوا حظ أنفسهم حيثُ استخفُّوا بحقوقِ الله تعالى(١).
﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ التي يَدْعُونَ مِن دُونِ الله مِن شَيْءٍ﴾ أي : ما نفعتهم تلك الآلهة في شيء ألبتة.
قوله :﴿لَّمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ أي : عذاب ربك.
قال الزمخشريُّ :" لمَّا " منصوب ب " أغْنَتْ " وهو بناءً منه على أنَّ " لمَّا " ظرفية.
والظَّاهر أنَّ " مَا " نافية، أي : لم تُغْن. ويجوز أن تكون استفهاميةً، و " يَدْعُونَ " حكاية حال، أي : التي كانُوا يدعُون، و " مَا زادُهُمْ " الضًَّميرُ المرفوع للأصنام، والمنصوبُ لعبدتها وعبَّر عنهم بواو العقلاء ؛ لأنهم نزَّلُوهم منزلتهم.
والتَّتبِيْبُ : التَّخسيرُ، يقالُ : تبَّ الرجلُ غيره إذا أوقعه في الخسران. يقال : تَبَّبَ غيره وتبَّ هو بنفسه، فيستعمل لازماً ومتعدياً، ومنه { تَبَّتْ يدا أبي لهبٍ وتبَّ ".
وتَبّبتُهُ تَتْبِيباً، أي : خسَّرته تَخْسِيراً قال لبيدٌ :
ولقَدْ بَلِيتُ وكُلُّ صاحبِ جدَّةٍلِبِلًى يعُودُ وذاكُمُ التَّتْبِيبُ(٢)
وقيل : التَّتْبيب : التَّدْمير. والمعنى : أنَّ الكفار يعتقدون في الأصنام أنها تنفعُ وتدفع المضار، ثم أخبر أنَّهُم عند الحاجِة إلى المُعين ما وجدُوا فيها شيئاً لا جلب نفعٍ، ولا دفع ضرٍر، وإنَّما وجدُوا ضدَّ ذلك، وهذا أعظم الخسران.
١ ذكره الرازي في "تفسيره" (١٨/٤٦)..
٢ ينظر البيت في ديوانه (٢٧١) والقرطبي ٩/٦٤ والبحر المحيط ٥/٢٥٢ والدر المصون ٤/١٣٠..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى