تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
وقوله تعالى :( وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً ) هو ما ذكرنا ؛ أي أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا، وقوله :( أخاهم ) قد ذكرنا أيضا أن الأخوة تتجه إلى وجوه ثلاثة : أخوة في الدين وأخوة في الجنس وأخوة في النسب.
وقوله تعالى :( قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ) إن الرسل جميعا، صلوات الله عليهم، أول ما دعوا قومهم إنما دعوا إلى توحيد الله، وجعل العبادة له لأن غيرها[ في الأصل وم : غيره ] من العبادات إنما تقوم بالتوحيد، وكان أول ما دعوا قومهم إليه لم يزل عادة الرسل، وعلموهم[ في الأصل وم : وعلمهم ]الدعاء إلى توحيد الله والعبادة له.
وقوله تعالى :( هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ ) قال بعض أهل التأويل :( هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ ) يقول : هو خلقكم من آدم، وخلق آدم من الأرض. لكنه أضاف خلق الخلائق إليها كما أضاف في قوله :( هو الذي خلقكم من نفس واحدة ) الآية[الأعراف: ١٨٩] أخبر أنه خلقنا من نفسه أي آدم، وإن لم تكن أنفسنا فيه.
فعلى ذلك إضافته إيانا بالخلق من الأرض، وإن لم يخلق أنفسنا منها ؛ أي خلق أصلنا، وأنشأه من الأرض، فأضاف إنشاءنا إلى ما أنشأ أصلنا.
ويشبه إن يكون قوله :( أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ ) أي جعل نشْْء الخلائق كلهم ونماءهم وحياتهم ومعاشهم بالخارج من الأرض ؛ إذ به نشأتهم ونماؤهم وحياتهم وقوامهم منها.
وقوله تعالى :( وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ) قال بعضهم : أسكنكم فيها، وقال بعضهم : استخلفكم فيها، وقال غيرهم[ في الأصل وم : غيره ] : قوله ( وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ) أي جعلكم عمار الأرض ؛ تعمرونها [ لمعادكم ومعاشكم ][ في الأصل وم : لمعادهم ومعاشهم ] جعل عمارة هذه الأرض إلى الخلق هم الذين يقومون بعمارتها وبنائها وأنواع الانتفاع بها، ويرجع كله إلى واحد.
وقال بعضهم في قوله :( واستعمركم فيها ) أي جعل عمركم طويلا.
وقوله تعالى :( فاستغفروا ثم توبوا إليه ) هذا قد ذكرنا في ما تقدم في قصة نوح : أي كونوا بحال، يغفر لكم هو كقوله :( إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف )[الأنفال: ٣٨] كأنه قال : فإن انتهوا عن الكفر يغفر لهم[ في الأصل وم : لكم ].
وقوله تعالى :( إن ربي قريب مجيب ) لحفظ الخلائق، أو قريب لمن أنعم عليهم وأمثالهم[ في الأصل وم : وأمثاله ]، أو قريب إلى كل من يفزع إليه، مجيب لدعاء كل داع، استجاب له كقوله :( وإذا سألك عبادي عني فإني ) الآية[البقرة: ١٨٦] وكقوله :( وأوفوا بعهدي )الآية[البقرة: ٤٠].

تفسير هذه الآية من كتب أخرى