جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره : وأرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا، فقال لهم يا قوم : اعبدوا الله وحده لا شريك له، وأخلصوا له العبادة دون ما سواه من الآلهة، فما لكم من إله غيره يستوجب عليكم العبادة، ولا تجوز الألوهة إلاّ له. هُوَ أنْشأَكُمْ مِنَ الأرْضِ يقول : هو ابتدأ خلقكم من الأرض. وإنما قال ذلك لأنه خلق آدم من الأرض، فخرج الخطاب لهم إذ كان ذلك فعله بمن هم منه. وَاسْتَعْمَركُمْ فَيها يقول : وجعلكم عُمّارا فيها، فكان المعنى فيه : أسكنكم فيها أيام حياتكم، من قولهم : أعمر فلان فلانا داره، وهي له عُمْرَي.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله : وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها قال : أعمركم فيها.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وَاسْتَعْمَرَكُم فِيها يقول : أعمركم.
وقوله : فاسْتَغْفِرُوهُ يقول : اعملوا عملاً يكون سببا لستر الله عليكم ذنوبكم، وذلك الإيمان به وإخلاص العبادة له دون ما سواه واتباع رسوله صالح. ثُمّ تُوبُوا إلَيْهِ يقول : ثم اتركوا من الأعمال ما يكرهه ربكم إلى ما يرضاه ويحبه. إنّ رَبيّ قَرِيبٌ مُجِيبٌ يقول : إن ربي قريب ممن أخلص له العبادة ورغب إليه في التوبة، مجيب له إذا دعاه.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وأرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحًا، فقال لهم: يا قوم، اعبدوا الله وحده لا شريك له، وأخلصوا له العبادة دون ما سواه من الآلهة، فما لكم من إله غيره يستوجب عليكم العبادة، ولا تجوز الألوهة إلا له = (هو أنشأكم من الأرض)، يقول: هو ابتدأ خلقكم من الأرض. (١)
* * *
وإنما قال ذلك لأنه خلق آدم من الأرض، فخرج الخطاب لهم، إذ كان ذلك فعله بمن هم منه.
* * *
= (واستعمركم فيها)، يقول: وجعلكم عُمَّارًا فيها، فكان المعنى فيه: أسكنكم فيها أيام حياتكم.
* * *
= من قولهم: "أعْمر فلانٌ فلانًا دارَه"، و"هي له عمري". (٢)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
(٢) " عمري " (بضم فسكون، فراء مفتوحة)، مصدر مثل " الرجعي ": و " أعمره الدار "، جعله يسكنها مدة عمره، فإذا مات عادت إلى صاحبها. وكان ذلك من فعل الجاهلية، فأبطله الله بالإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تعمروا ولا ترقبوا "، فمن أعمر دارًا أو أرقبها، فهي لورثته من بعده ".