تفسير الشعراوي — الشعراوي

عن الكتاب
يقول الحق سبحانه من بعد ذلك ما جاء على لسان شعيب عليه السلام :
﴿ويا قوم اعملوا على مكانتكم(١) إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب ( ٩٣ )﴾ :
إذن : فشعيب عليه السلام عند القضية المخالفة ؛ لأن الله تعالى عنده أعز من رهطه ؛ وباعتزازه بربه قد آوى إلى ركن شديد، وبهذا الإيمان يعلن لهم : افعلوا ما في وسعكم، وما في مكنتكم هو ما في مكنة البشر، وسأعمل ما في مكنتي، ولست وحدي، بل معي الله سبحانه وتعالى ؛ ولن تتسامى قوتكم الحادثة على قدرة الله المطلقة.
ومهما فعلتم لمعارضة هذا الإصلاح الذي أدعوكم إليه ؛ فلن يخذلني الذي أرسلني ؛ وما دمتم تريدون الوقوف في نفس موقف الأمم السابقة التي تصدت لموجات الإصلاح السماوية ؛ فهزمهم الله سبحانه بالصيحة، وبالرجفة، وبالريح الصرصر(٢)، وبالقذف بأي شيء من هذه الأشياء، وقال لهم : اعملوا على مكانتكم، وإياكم أن تتوهموا أني أتودد إليكم ؛ فأنا على بينة من ربي، ولكني أحب الخير لكم، وأريد لكم الإصلاح.
ولم يقل شعيب عليه السلام هذا القول عن ضعف، ولكن قاله ردا على قولهم :﴿وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك(٣) لرجمناك.. ( ٩١ )﴾[ هود ] : وأبرز لهم مكانته المستمدة من قوة من أرسله سبحانه وتعالى، وقال :﴿اعملوا على مكانتكم إني عامل.. ( ٩٣ )﴾[ هود ].
وهكذا أوضح لهم : أنا لن أقف مكتوف الأيدي، لأني سأعمل على مكانتي، و﴿.. سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب ( ٩٣ )﴾[ هود ] : أي : أن المستقبل سوف يبين من منا على الحق ومن منا على الضلال، ولمن سيكون النصر والغلبة، ومن الذي يأتيه الخزي ؛ أي : أن يشعر باحتقار نفسه وهوانها ؛ ويعاني من الفضيحة أمام الخلق ؛ ومن منا الكاذب، ومن على الحق.
وكان لا بد أن تأتي الآية التالية :
﴿ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة(٤) فأصبحوا في ديارهم جاثمين(٥) ( ٩٤ )﴾ :
١ - المكانة: رفعة الشأن والرزانة والتؤدة، قال تعالى: ﴿قل يا قوم اعملوا على مكانتكم..(١٣٥)﴾ [الأنعام] أي: برزانة وتؤدة وتبصر. وقرئ: "على مكاناتكم" بالجمع. [القاموس القويم ٢/ ٢٣٢]..
٢ - الريح الصر والصرصر: شديدة البرد، وقيل: شديدة الصوت، قال الزجاج: الصر والصرة شدة البرد [قاله ابن منظور في اللسان]..
٣ - الرهط: جماعة دون العشر من الرجال، ورهط الرجل عشيرته وقبيلته، لا واحد له من لفظه. قال تعالى: ﴿ولولا رهطك لرجمناك..(٩١)﴾ [هود] أي: ولولا عشيرتك من الرجال لرجمناك. وقوله تعالى: ﴿تسعة رهط..(٤٨)﴾ [النمل] من إضافة الشيء إلى ما يبينه. [القاموس القويم ١/٢٧٨]..
٤ - الصيحة: اسم مرة من الصياح، وهو الصوت الشديد. والصيحة: العذاب الذي يصحبه صوت شديد. قال تعالى: ﴿يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج (٤٢)﴾ [ق]. [القاموس القويم]..
٥ - جثم جثوما: لزم مكانه لاصقا بالأرض، قال تعالى: ﴿.. فأصبحوا في ديارهم جاثمين (٩٤)﴾ [هود] كناية عن موتهم بحالتهم فهم هامدون لا صقون بالأرض، [القاموس القويم]..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى