جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
وقوله : وَحَنانا مِنْ لَدُنّا يقول تعالى ذكره : ورحمة منا ومحبة له آتيناه الحكم صبيا.
وقد اختلف أهل التأويل في معنى الحنان، فقال بعضهم : معناه : الرحمة، ووجهوا الكلام إلى نحو المعنى الذي وجهناه إليه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وَحَنانا مِنْ لَدُنّا يقول : ورحمة من عندنا.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن سماك، عن عكرمة، في هذه الآية وَحَنانا مِنْ لَدُنّا قال : رحمة.
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله : وَحَنانا مِنْ لَدُنّا قال : رحمة من عندنا.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا جويبر، عن الضحاك، قوله : وَحَنانا مِنْ لَدُنّا قال : رحمة من عندنا لا يملك عطاءها أحد غيرنا.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ، قال : أخبرنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله وَحَنانا مِنْ لَدُنّا يقول : رحمة من عندنا، لا يقدر على أن يعطيها أحد غيرنا.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : ورحمة من عندنا لزكريا، آتيناه الحكم صبيا، وفعلنا به الذي فعلنا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَحَنانا مِنْ لَدُنّا يقول : رحمة من عندنا.
وقال آخرون : معنى ذلك : وتعطفا من عندنا عليه، فعلنا ذلك. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : وَحَنانا مِنْ لَدُنّا قال : تعطفا من ربه عليه.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
وقال آخرون : بل معنى الحنان : المحبة. ووجهوا معنى الكلام إلى : ومحبة من عندنا فعلنا ذلك. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن عنبسة، عن يحيى بن سعيد، عن عكرمة وَحَنانا مِنْ لَدُنّا قال : محبة عليه.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَحَنانا قال : أما الحَنان فالمحبة.
وقال آخرون معناه تعظيما منا له. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عطاء بن أبي رباح وَحَنانا مِنْ لَدُنّا قال : تعظيما من لدنا. وقد ذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : لا أدري ما الحنان.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة، عن ابن عباس، قال : والله ما أدري ما حنانا.
وللعرب في حَنَانَك لغتان : حَنَانَك يا ربنا، وحَنانَيك كما قال طَرَفة بن العبد في حنانيك :
أبا مُنْذِرٍ أفْنَيْتَ فاسْتَبْقِ بَعْضَناحَنانَيْكَ بعضُ الشّرّ أهْوَنُ مِن بعض
وقال امرؤ القيس في اللغة الأخرى :
ويَمْنَحُها بَنُو شَمَجَي بْنِ جَرْمٍمَعِيزَهُمُ حَنانَكَ ذَا الحَنانِ
وقد اختلف أهل العربية في «حنانيك » فقال بعضهم : هو تثنية «حنان ». وقال آخرون : بل هي لغة ليست بتثنية قالوا : وذلك كقولهم : حَوَاليك وكما قال الشاعر :
*** ضَرْبا هَذَا ذَيْكَ وطَعْنا وَخْضا ***
وقد سوّي بين جميع ذلك الذين قالوا حنانيك تثنية، في أن كل ذلك تثنية. وأصل ذلك أعني الحنان، من قول القائل : حنّ فلان إلى كذا، وذلك إذا ارتاح إليه واشتاق، ثم يقال : تحّننَ فلان على فلان، إذا وصف بالتعطّف عليه والرقة به، والرحمة له، كما قال الشاعر :
تَحَنّنْ عَليّ هَدَاكَ المَلِيكُفإنّ لِكُلّ مَقامٍ مَقالا
بمعنى : تعطّف عليّ. فالحنان : مصدر من قول القائل : حنّ فلان على فلان، يقال منه : حننت عليه، فأنا أحنّ عليه حنينا وحنانا، ومن ذلك قيل لزوجة الرجل : حَنّته، لتحننه عليها وتعطفه، كما قال الراجز :
وَلَيْلَةٍ ذَاتِ دُجىً سَرَيْتُولَم تَضِرْنِي حَنّةٌ وَبَيْتُ
وقوله : وَزَكَاةً يقول تعالى ذكره : وآتينا يحيى الحكم صبيا، وزكاة : وهو الطهارة من الذنوب، واستعمال بدنه في طاعة ربه، فالزكاة عطف على الحكم من قوله : وآتَيْناهُ الحُكْمَ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وزَكاةً قال : الزكاة : العمل الصالح.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله : وزَكاةً قال : العمل الصالح الزكيّ.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول : في قوله وزَكاةً يعني العمل الصالح الزاكيّ.
وقوله : وكانَ تَقِيّا يقول تعالى ذكره : وكان لله خائفا مؤدّيا فرائضه، مجتنبا محارمه مسارعا في طاعته. كما :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس وَزَكاةً وكانَ تَقِيّا قال : طهر فلم يعمل بذنب.
حدثني يونس، قال : خبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَزَكاةً وكانَ تَقِيّا قال : أما الزكاة والتقوى فقد عرفهما الناس.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى