اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله ﴿وحَنَاناً﴾ : يجوز أن يكون مفعولاً به، نسقاً على " الحُكْمَ " أي : وآتَيْنَاهُ تَحَنُّناً. والحنانُ : الرحمةُ واللّينُ، وأنشد أبو عبيدة قول الحطيئةِ لعمر بن الخطَّاب :[ المتقارب ]
قال : وأكثر استعماله مُثَنَّى ؛ كقولهم : حَنَانَيْكَ، وقوله :
[ وجوَّز ] فيه أبو البقاء(٣) أن يكون مصدراً، كأنَّه يريدُ به المصدر الواقع في الدعاء ؛ نحو : سَقْياً ورَعْياً، فنصبه بإضمار فعلٍ [ كأخواته ]، ويجوز أن يرتفع على خبر ابتداءٍ مضمر ؛ نحو :﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨] و ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأعراف: ٤٦] في أحد الوجهين، وأنشد سيبويه(٤) :[ الطويل ]
وقيل لله تعالى : حنَّّانٌ، كما يقال له " رَحِيمٌ " قال الزمخشريُّ :" وذلك على سبيل الاستعارةِ ".
اعلم أن الحنان : أصله من الحنين، وهو الارتياحُ، والجزع للفراق كما يقال : حنينُ النَّاقة، وهو صوتها، إذا اشتاقت إلى ولدها، ذكره الخليل.
وفي الحديث : أنَّه -عليه الصلاة والسلام- كان يُصلِّي إلى جذع في المسجد، فلمَّا اتَّخذ المنبر، وتحوَّل إليه، حنَّت تلك الخشبةُ، حتَّى سُمِعَ حنينُها(٦)، وهذا هو الأصل، ثُمَّ يقال : تَحَنَّنَ فلانٌ على فلانٍ، إذا [ تعطَّف ](٧) عليه ورحمهُ.
واختلف الناس في وصف الله تعالى بالحنان، فأجازه بعضهم، وجعلهُ بمعنى الرَّؤُوف الرَّحيم، ومنهم من أباه ؛ لما يرجع إليه أصلُ الكلمة.
قالوا : ولم يصحُّ الخبر بهذه اللفظة في أسماء الله تعالى.
وإذا عرف هذا، فنقولُ : في الحنانِ ها هنا وجهانِ :
الأول : أن نجعله صفةً لله تعالى.
والثاني : أن نجعله صفةُ ل " يحيى "، فإن جعلناه صفة لله تعالى، فيكونُ التقديرُ : وآتيناهُ الحكم حناناً، أي : رحمةً منَّا.
ثم هاهنا احتمالات :
الأول : أن يكون الحنانُ من الله تعالى ل " يحيى "، والمعنى : وآتيناه الحكم صبيًّا حناناً [ منَّا ](٨) عليه، أي : رحمة عليه، " وزكَاةً " أي : وتزكيةً، وتشريفاً له.
والثاني : أن يكون الحنانُ من الله تعالى لزكريَّا، والمعنى : أنا استجبنا لزكريَّا دعوته بأن أعطيناه ولداً ثم آتيناه الحكم صبيًّا وحناناً من لدُنَّا على زكريا فعلنا ذلك " وزَكَاةً " أي : تزكيةُ له عن أن يصير مردود الدُّعاء.
الثالث : أن يكُون الحنانُ من الله تعالى لأمَّة يحيى -عليه السلام- والمعنى : آتيناه الحكم صبيًّا حناناً على أمَّته ؛ لعظيم انتفاعهم بهدايته وإرشاده.
وإن جعلناه صفةً ليحيى -عليه السلام- ففيه وجوهٌ :
الأول : آتيناهُ الحكم والحنان على عبادنا، أي والتعطُّف عليهم وحسن النَّظر لهم، كما وصف محمَّداً - ﷺ - بقوله :﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وقوله :﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقوله :﴿وزَكَاةً﴾ أي : شفقةً، ليست داعيةً إلى الإخلال بالواجب ؛ لأنَّ الرأفة واللِّين ربَّما أورثا ترك الواجب ؛ ألا ترى إلى قوله :﴿وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله﴾ [النور: ٢] وقال :﴿قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ مِّنَ الكفار وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣] وقال :﴿أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائم﴾ [المائدة: ٥٤].
والمعنى : أنَّا جمعنا له التعطُّف على عباد الله، مع الطَّهارة عن الإخلال بالواجبات، ويحتمل أنَّا آتيناه التعطُّف على الخلق، والطَّهارة [ عن المعاصي ](٩)، فلم يَعْص، ولم يَهُمَّ بمعصية.
الثاني : قال عطاءُ بنُ أبي رباحٍ :﴿وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا﴾ : تعظيماً من لدنا(١٠).
والمعنى : آتيناهُ الحكم صبيًّا ؛ تعظيماً إذ جعلناه نبيًّا وهو صبيٌّ، ولا تعظيم أكثر من هذا ؛ ويدلُّ عليه ما رُوِيَ أنَّ ورقة بن نوفل مرَّ على بلالٍ، وهو يعذب، قد ألصقَ ظهرهُ برمضاء البطحاء، وهو يقول : أحدٌ، أحدٌ، فقال : والذي نفسي بيده، لئنْ قتلْتُمُوه، لاتَّخذنَّهُ حناناً، أي : مُعَظَّماً.
قوله :﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ صفةٌ له.
قوله :﴿وَزَكاةً﴾. قال ابن عباس : هي الطَّاعة، والإخلاص(١١).
وقال قتادةُ والضحاك : هو العملُ الصَّالح(١٢).
والمعنى : آتيناهُ رحمةً من عندنا، وتحنُّناً على العبادِ ؛ ليدعوهم إلى طاعة ربِّهم، وعملاً صالحاً في إخلاص.
وقال الكلبيُّ : صدقة(١٣) تصدَّق الله بها على أبويه، وقيل : زكَّيناه بحُسْن الثَّناء، أي كما يزكِّي الشهودُ الإنسان. وهذه الآيةُ تدلُّ على أن فعل العبد خلقٌ لله تعالى لأنه جعل طهارتهُ وزكاتهُ من الله تعالى، وحملهُ على الألطاف بعيدٌ ؛ لأنَّه عدولٌ عن الظَّاهرِ.
قوله :﴿وَكَانَ تَقِيّاً﴾ مُخْلِصاً مُطِيعاً، والتَّقيُّ : هو الذي يتقي ما نهى الله عنه [ فيجتنبه ](١٤)، ويتقي مخالفة أمر الله، فلا يهمله، وأولى النَّاس بهذا الوصف من لم يعْصِ الله، ولا همَّ بمعصيةٍ، وكان يحيى -عليه الصلاة والسلام- كذلك.
فإن قيل : ما معنى قوله ﴿وَكَانَ تَقِيّاً﴾ وهذا حين ابتداء تكليفه.
فالجوابُ : إنَّما خاطب الله تعالى الرسُول بذلك وأخبر عن حاله حيث كان كما أخبر عن نعم الله تعالى عليه.
| ٣٥٨٣ أ- تَحَنَّنْ عَليَّ هدَاكَ المَلِيكُ | فإنَّ لِكُلِّ مقامٍ مقَالا(١) |
| ٣٥٨٣ ب-. . . | حَنانَيْكَ بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ من بعضِ(٢) |
| وقَالَتْ حنانٌ مَا أتى بِكَ هَهُنَا | اذُو نسبٍ أمْ أنْتَ بالحَيِّ عارفُ(٥) |
فصل في المراد ب " حَنَاناً "
اعلم أن الحنان : أصله من الحنين، وهو الارتياحُ، والجزع للفراق كما يقال : حنينُ النَّاقة، وهو صوتها، إذا اشتاقت إلى ولدها، ذكره الخليل.
وفي الحديث : أنَّه -عليه الصلاة والسلام- كان يُصلِّي إلى جذع في المسجد، فلمَّا اتَّخذ المنبر، وتحوَّل إليه، حنَّت تلك الخشبةُ، حتَّى سُمِعَ حنينُها(٦)، وهذا هو الأصل، ثُمَّ يقال : تَحَنَّنَ فلانٌ على فلانٍ، إذا [ تعطَّف ](٧) عليه ورحمهُ.
واختلف الناس في وصف الله تعالى بالحنان، فأجازه بعضهم، وجعلهُ بمعنى الرَّؤُوف الرَّحيم، ومنهم من أباه ؛ لما يرجع إليه أصلُ الكلمة.
قالوا : ولم يصحُّ الخبر بهذه اللفظة في أسماء الله تعالى.
وإذا عرف هذا، فنقولُ : في الحنانِ ها هنا وجهانِ :
الأول : أن نجعله صفةً لله تعالى.
والثاني : أن نجعله صفةُ ل " يحيى "، فإن جعلناه صفة لله تعالى، فيكونُ التقديرُ : وآتيناهُ الحكم حناناً، أي : رحمةً منَّا.
ثم هاهنا احتمالات :
الأول : أن يكون الحنانُ من الله تعالى ل " يحيى "، والمعنى : وآتيناه الحكم صبيًّا حناناً [ منَّا ](٨) عليه، أي : رحمة عليه، " وزكَاةً " أي : وتزكيةً، وتشريفاً له.
والثاني : أن يكون الحنانُ من الله تعالى لزكريَّا، والمعنى : أنا استجبنا لزكريَّا دعوته بأن أعطيناه ولداً ثم آتيناه الحكم صبيًّا وحناناً من لدُنَّا على زكريا فعلنا ذلك " وزَكَاةً " أي : تزكيةُ له عن أن يصير مردود الدُّعاء.
الثالث : أن يكُون الحنانُ من الله تعالى لأمَّة يحيى -عليه السلام- والمعنى : آتيناه الحكم صبيًّا حناناً على أمَّته ؛ لعظيم انتفاعهم بهدايته وإرشاده.
وإن جعلناه صفةً ليحيى -عليه السلام- ففيه وجوهٌ :
الأول : آتيناهُ الحكم والحنان على عبادنا، أي والتعطُّف عليهم وحسن النَّظر لهم، كما وصف محمَّداً - ﷺ - بقوله :﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وقوله :﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقوله :﴿وزَكَاةً﴾ أي : شفقةً، ليست داعيةً إلى الإخلال بالواجب ؛ لأنَّ الرأفة واللِّين ربَّما أورثا ترك الواجب ؛ ألا ترى إلى قوله :﴿وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله﴾ [النور: ٢] وقال :﴿قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ مِّنَ الكفار وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣] وقال :﴿أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائم﴾ [المائدة: ٥٤].
والمعنى : أنَّا جمعنا له التعطُّف على عباد الله، مع الطَّهارة عن الإخلال بالواجبات، ويحتمل أنَّا آتيناه التعطُّف على الخلق، والطَّهارة [ عن المعاصي ](٩)، فلم يَعْص، ولم يَهُمَّ بمعصية.
الثاني : قال عطاءُ بنُ أبي رباحٍ :﴿وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا﴾ : تعظيماً من لدنا(١٠).
والمعنى : آتيناهُ الحكم صبيًّا ؛ تعظيماً إذ جعلناه نبيًّا وهو صبيٌّ، ولا تعظيم أكثر من هذا ؛ ويدلُّ عليه ما رُوِيَ أنَّ ورقة بن نوفل مرَّ على بلالٍ، وهو يعذب، قد ألصقَ ظهرهُ برمضاء البطحاء، وهو يقول : أحدٌ، أحدٌ، فقال : والذي نفسي بيده، لئنْ قتلْتُمُوه، لاتَّخذنَّهُ حناناً، أي : مُعَظَّماً.
قوله :﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ صفةٌ له.
قوله :﴿وَزَكاةً﴾. قال ابن عباس : هي الطَّاعة، والإخلاص(١١).
وقال قتادةُ والضحاك : هو العملُ الصَّالح(١٢).
والمعنى : آتيناهُ رحمةً من عندنا، وتحنُّناً على العبادِ ؛ ليدعوهم إلى طاعة ربِّهم، وعملاً صالحاً في إخلاص.
وقال الكلبيُّ : صدقة(١٣) تصدَّق الله بها على أبويه، وقيل : زكَّيناه بحُسْن الثَّناء، أي كما يزكِّي الشهودُ الإنسان. وهذه الآيةُ تدلُّ على أن فعل العبد خلقٌ لله تعالى لأنه جعل طهارتهُ وزكاتهُ من الله تعالى، وحملهُ على الألطاف بعيدٌ ؛ لأنَّه عدولٌ عن الظَّاهرِ.
قوله :﴿وَكَانَ تَقِيّاً﴾ مُخْلِصاً مُطِيعاً، والتَّقيُّ : هو الذي يتقي ما نهى الله عنه [ فيجتنبه ](١٤)، ويتقي مخالفة أمر الله، فلا يهمله، وأولى النَّاس بهذا الوصف من لم يعْصِ الله، ولا همَّ بمعصيةٍ، وكان يحيى -عليه الصلاة والسلام- كذلك.
فإن قيل : ما معنى قوله ﴿وَكَانَ تَقِيّاً﴾ وهذا حين ابتداء تكليفه.
فالجوابُ : إنَّما خاطب الله تعالى الرسُول بذلك وأخبر عن حاله حيث كان كما أخبر عن نعم الله تعالى عليه.
١ البيت للحطيئة. ينظر: ديوانه ٨٢، الطبري ١٦/٤٤، مجاز القرآن ٢/٣، البحر ٦/١٦٨، القرطبي ١١/٦٠، الكامل ٢/١٩٩، اللسان "حنن"، الدر المصون ٤/٤٩٥..
٢ تقدم..
٣ ينظر: الإملاء ٢/١١١..
٤ ينظر: الكتاب ١/١٦١..
٥ البيت لمنذر بن درهم الكلبي ينظر: الكتاب ١/٣٢٠، والمقتضب ٣/٢٢٥، شرح المفصل لابن يعيش ١/١١٨، الصاحبي ٤٢٨، الهمع ١/١٨٩، التصريح ١/١٧٧، الإنصاف ٣/٦، الدرر ١/٧١٦٣ التهذيب واللسان "حنن"، الدر المصون ٤/٤٩٥..
٦ أخرجه البخاري (٦/ ٦٩٦) كتاب المناقب: باب علامات النبوة في الإسلام حديث (٣٥٨٣) من حديث ابن عمر..
٧ في ب: عطف..
٨ في ب: من لدنا..
٩ سقط من ب..
١٠ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٣١٦) عن عطاء..
١١ ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/١٩٠)..
١٢ أخرجه الطبري (٨/٣١٧) عن قتادة وابن جريج والضحاك..
١٣ ينظر: معالم التنزيل ٣/١٩٠..
١٤ سقط من: أ..
٢ تقدم..
٣ ينظر: الإملاء ٢/١١١..
٤ ينظر: الكتاب ١/١٦١..
٥ البيت لمنذر بن درهم الكلبي ينظر: الكتاب ١/٣٢٠، والمقتضب ٣/٢٢٥، شرح المفصل لابن يعيش ١/١١٨، الصاحبي ٤٢٨، الهمع ١/١٨٩، التصريح ١/١٧٧، الإنصاف ٣/٦، الدرر ١/٧١٦٣ التهذيب واللسان "حنن"، الدر المصون ٤/٤٩٥..
٦ أخرجه البخاري (٦/ ٦٩٦) كتاب المناقب: باب علامات النبوة في الإسلام حديث (٣٥٨٣) من حديث ابن عمر..
٧ في ب: عطف..
٨ في ب: من لدنا..
٩ سقط من ب..
١٠ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٣١٦) عن عطاء..
١١ ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/١٩٠)..
١٢ أخرجه الطبري (٨/٣١٧) عن قتادة وابن جريج والضحاك..
١٣ ينظر: معالم التنزيل ٣/١٩٠..
١٤ سقط من: أ..