غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراآت :﴿إني أعوذ﴾ بفتح الياء : أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. ﴿ليهب لك﴾ على الغيبة : أبو عمرو ويعقوب وورش والحلواني عن قالون وحمزة في الوقف. الآخرون ﴿لأهب﴾ على التكلم ﴿نسياً﴾ بفتح النون : حمزة وحفص. الباقون بكسرها. ﴿من تحتها﴾ بكسر الميم على أنه حرف جر وبجر التاء الثانية : أبو جعفر ونافع وسهل وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد. الباقون بفتحهما على أن " من " موصولة والظرف صلتها ﴿تساقط﴾ بحذف تاء التفاعل : علي وحمزة والخزاز عن هبيرة. ﴿تساقط﴾ من المفاعلة : حفص غير الخزاز ﴿يساقط﴾ بياء الغيبة، وعلى أن الضمير للجذع وبإدغام التاء في السين : سهل ويعقوب ونصير وحماد. الباقون مثله ولكن بتاء التأنيث على أن الضمير للنخلة ﴿آتاني الكتاب﴾ ممالة مفتوحة الياء : عليّ. وقرأ حمزة مرسلة الياء مفخمة في الوصل ممالة في الوقف. ﴿وأوصاني﴾ بالإمالة : علي ﴿قول الحق﴾ بالنصب : ابن عامر وعاصم ويعقوب. ﴿وإن الله﴾ بكسر الهمزة : عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وروح والمعدل عن زيد.
الوقوف :﴿مريم﴾ لا ليصير " إذ " ظرفاً لأذكر ﴿شرقياً﴾ لا للعطف ﴿زكياً﴾ ٥ ﴿بغياً﴾ ٥ ﴿كذلك﴾ ط لما مر ﴿هين﴾ ج لجواز كون الواو مقحمة أو معلقة بمحذوف كما يجيء ﴿منا﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿مقضياً﴾ ٥ ﴿قصياً﴾ ٥ ﴿النخلة﴾ ج لترتب الماضي من غير عاطف والأولى أن يكون استئنافاً ﴿منسياً﴾ ٥ ﴿سرياً﴾ ٥ ﴿جنياً﴾ ٥ ز ﴿عيناً﴾ ٥ ج للشرط مع الفاء ﴿أحداً﴾ لا لأن ما بعده جواب الشرط ﴿نسياً﴾ ٥ ج للعطف مع الآية ﴿تحمله﴾ ط ﴿فرياً﴾ ٥ ﴿بغياً﴾ ٥ ج ﴿إليه﴾ ج ﴿صبياً﴾ ٥ ﴿عبد الله﴾ ط لأن الجملة لا تقع صفة للمعرفة. ويمكن أن يجعل معنى التحقيق في " إن " عاملاً فيكون حالاً فلا يوقف ﴿أينما كنت﴾ ص لطول الكلام ﴿حياً﴾ ص ٥ لذلك والوصل أولى لأن قوله ﴿وبراً﴾ معطوف على قوله ﴿مباركاً﴾. ﴿بوالدتي﴾ ج لتبدل الكلام من الإثبات إلى النفي ﴿شقياً﴾، ﴿حياً﴾ ٥، ﴿عيسى ابن مريم﴾ ج على القراءتين لاحتمال أن يراد أقول قول الحق وأن يجعل حالاً، وأما في قراءة الرفع فإما أن يكون بدلاً من عيسى أو يكون التقدير هو قول الحق ﴿يمترون﴾ ٥، ﴿من ولد﴾ ٥ استعجالاً للتنزيه ﴿سبحانه﴾ ط ﴿فيكون﴾ ٥ ط لمن قرأ ﴿وأن﴾ بالكسر ﴿فاعبدوه﴾ ط ﴿مستقيم﴾، ٥ ﴿من بينهم﴾ ج لأن ما بعده مبتدأ مع الفاء ﴿عظيم﴾ ٥ ﴿وأبصر﴾ لا لأن ما بعده ظرف للتعجب ﴿مبين﴾ ٥ وسمعت عن مشايخي رحمهم الله أن الوقف على قوله ﴿قضى الأمر﴾ لازم لا أقل من المطلوب لأن ما بعده جملة مستأنفة ولو وصل لأوهم أن يكون حالاً من القضاء وليس كذلك ﴿لا يؤمنون﴾، ٥ ﴿يرجعون﴾ ٥.
قال القفال : الجذع من النخلة هو الأسفل وما دون الرأس الذي عليه الثمرة. وقال قطرب : كل خشبة في أصل شجرة هي جذع، والباء في قوله :﴿بجذع النخلة﴾ كالزائد لأن العرب تقول هزة وهز به والمعنى حركي جذع النخلة أو افعلي الهز به.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: و﴿رطباً﴾ تمييز ومفعول تساقط على حسب القراآت اللازمة والمتعدية. وعن الأخفش المراد جواز انتصابه بـ ﴿هزي﴾ أي هزي إليك رطباً جنياً بجذع النخلة أي على جذعها. والجني المأخوذ طرياً. والظاهر أنه ما أثمر إلا الرطب وقد صار نخلاً. وقيل : إنه كان على حاله وإنه أثمر مع الرطب غيره. قالوا : إذا عسر ولادة المرأة لم يكن لها خير من الرطب، والتمر للنفساء عادة من ذلك الوقت وكذا التحنيك. والمراد أنه جمع لها فائدتان في السري والرطب : إحداهما الأكل والشرب وقدم الأكل مع أن ذكر السري مقدم لأن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء لكثرة ما سال من الدماء، والثانية سلوة الصدر لكونهما معجزين لزكريا أو إرهاصاً لعيسى أو كرامتين لمريم وأشار إلى هذه بقوله :﴿وقري عيناً﴾ لأن قرّة العين تلزم قوة القلب والتسلي من الهموم والأحزان.
وقيل : إن ألم النفس أشد من ألم البدن، فلم قدم دفع ألم البدن على دفع ألم القلب ؟ وأجيب بأن الخوف النفسي كان قليلاً لتقدم بشارة جبريل فكان التذكر كافياً ﴿فإما ترين﴾ أصله ترأيين مثل تسمعين خففت الهمزة وسقطت نون الإعراب للجزم ثم ياء الضمير للساكنين وذلك بعد لحوق نون التأكيد وقد مر في قوله :﴿واما يبلغن عندك الكبر﴾ [الإسراء: ٢٣] إذاً لتأكيد هذه الصورة يقصد به أن الشرط مما سيقع غالباً فإن مريم لا بد أن ترى أحداً من البشر عادة. عن أنس بن مالك : الصوم هنا الصمت. وعن ابن عباس مثله. وقال أبو عبيدة : كان ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم. وقيل : أراد الصيام إلا أنهم كانوا لا يتكلمون في صيامهم. قال القفال : لعل مثل هذا النذر يجوز في شرعنا لأن الاحتراز عن كلام البشر يجرد الفكر لذكر الله تعالى وهو قربة، ولعله لا يجوز لما فيه من التضييق والتشديد ولا حرج في الإسلام. وفي الكشاف : نهى رسول الله ﷺ عن صوم الصمت. وروي أنه دخل أبو بكر الصديق على امرأة وقد نذرت أنها لا تتكلم فقال أبو بكر : إن الإسلام هدم هذا فتكلمي. وفي أمرها بهذا النذر معنيان : أحدهما أن كلام عيسى أقوى في إزالة التهمة وفيه أن تفويض الأمر إلى الأفضل أولى، والثاني أن السكوت عن جدال السفهاء أصون للعرض ومن أذل الناس سفيه لم يجد مشافهاً.
وكيف أخبرتهم بالنذر ؟ قيل : بالإشارة وإلا لزم النقض. وقيل : خص هذا الكلام بالقرينة العقلية. وقوله :﴿إنسياً﴾ أراد المبالغة في نفي الكلام أو أراد أني أكلم الملائكة دون الإنس وهذا أشبه بقوله :﴿فإما ترين من البشر﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿واذكر في الكتاب﴾ الأزلي ﴿مريم﴾ القلب ﴿إذا انتبذت من أهلها﴾ تفردت من أهل الدنيا متوجهاً إلى جانب شروق النور الإلهي ﴿فاتخذت من دونهم﴾ حجاب الخلوة والعزلة ﴿فأرسلنا إليها روحنا﴾ وهو نور الإلهام الرباني والخاطر الرحماني كقوله :
﴿وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا﴾ [الشورى: ٥٢] ﴿فتمثل لها بشراً سوياً﴾ كما تمثل روح التوحيد بحروف " لا إله إلا الله " لانتفاع الخلق به. و﴿قالت إني أعوذ بالرحمن منك﴾ ظناً منها أنه يشغلها عن الله. ﴿قال إنما أنا رسول﴾ الوارد الرباني ﴿لأهب لك غلاماً زكياً﴾ طاهراً عن لوث الظلمة الأنسية وهو النفس المطمئنة القدسية. ﴿ولم يمسسني بشر﴾ خاطر من عالم البشرية ﴿ولم أك بغياً﴾ أطلب غير ما خلقت لأجله وهو التوجه إلى عالم الروح المجرد ﴿فحملته﴾ بالقوة القريبة من الفعل ﴿فانتبذت به مكاناً قصياً﴾ لافتقاره إلى العبور على منازل الشريعة والطريقة ﴿فأجاءها﴾ مخاض الطلب والتعب ﴿إلى جذع النخلة﴾ وهي كلمة " لا إله إلا الله " التي كان أصلها ثابتاً في أرض نفسها ﴿قالت يا ليتني مت قبل هذا﴾ قال بعض أهل التحقيق : هذه كلمة يذكرها الصالحون عند اشتداد الأمر عليهم. قال عليّ عليه السلام يوم الجمل : يا ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة. وعن بلال : ليت بلالاً لم تلده أمه. وقيل : إن مريم قالت ذلك لعلمها بأن الله تعالى يدخل النار خلقاً كثيراً بسبب تهمتها وبسبب الغلو والتقصير في حق ابنها قلت : إن مريم القلب قالت يا ليتني مت عن اللذات الجمسية قبل هذا الوقت الذي فزت باللذات الحقيقية وكنت نسياً منسياً، فإن الخمول راحة والشهرة آفة ﴿فناداها﴾ بلسان الحال من تحت تصرفها من آلات القوى ﴿أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك﴾ أي تحت تصرفك ﴿سرياً﴾ هو الغلام الموعود أو جدول الكشوف والعلوم الدينية ﴿وهزي إليك بجذع النخلة﴾ بالمداومة على الذكر ﴿تساقط عليك رطباً جنياً﴾ من المشاهدات والمكاشفات حالاً فحالاً ﴿فكلي واشربي﴾ من خوان الأفضال وبحر النوال من مادته " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " ﴿وقري عينا﴾ بأنوار الجمال في حجرة الوصال ﴿فأما ترين﴾ من السوانح البشرية ﴿أحداً فقولي إني نذرت للرحمن صوماً﴾ كما قيل الدنيا يوم ولنا فيه صوم أي الالتفات لغير الله. ﴿فأتت به قومها﴾ من عادة الجهال إنكار أحوال أهل الكمال. ﴿يا أخت هرون﴾ النفس المطمئنة أو الأمارة بناء على أن هارون كان صالحاً أو طالحاً ﴿وكان أبوك﴾ وهو الروح المفارق ﴿إمرأ سوء وما كانت أمك﴾ وهي القالب ﴿بغياً﴾ تستأنس إلى غير عالم الطبيعة التي خلقت لأجلها ﴿فأشارت إليه﴾ فيه أن هذا القوم هم أهل الإشارات ﴿في المهد﴾ مهد السر وذلك المتولد من نفخ الروح في مريم القالب ليس ابناً لله ولا محلاً له ولا نفسه. ﴿فاختلف الأحزاب﴾ فقوم عبدوا الله لأجله، وقوم عبدوه طمعاً في جنته، وقوم عبدوا الهوى وذلك قوله :﴿فويل للذين كفروا﴾ ﴿أسمع بهم﴾ أي بأهل الله ﴿وأبصر يوم يأتوننا﴾ فإنهم بالله يسمعون وبه يبصرون.
و﴿رطباً﴾ تمييز ومفعول تساقط على حسب القراآت اللازمة والمتعدية. وعن الأخفش المراد جواز انتصابه بـ ﴿هزي﴾ أي هزي إليك رطباً جنياً بجذع النخلة أي على جذعها. والجني المأخوذ طرياً. والظاهر أنه ما أثمر إلا الرطب وقد صار نخلاً. وقيل : إنه كان على حاله وإنه أثمر مع الرطب غيره. قالوا : إذا عسر ولادة المرأة لم يكن لها خير من الرطب، والتمر للنفساء عادة من ذلك الوقت وكذا التحنيك. والمراد أنه جمع لها فائدتان في السري والرطب : إحداهما الأكل والشرب وقدم الأكل مع أن ذكر السري مقدم لأن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء لكثرة ما سال من الدماء، والثانية سلوة الصدر لكونهما معجزين لزكريا أو إرهاصاً لعيسى أو كرامتين لمريم وأشار إلى هذه بقوله :﴿وقري عيناً﴾ لأن قرّة العين تلزم قوة القلب والتسلي من الهموم والأحزان.
وقيل : إن ألم النفس أشد من ألم البدن، فلم قدم دفع ألم البدن على دفع ألم القلب ؟ وأجيب بأن الخوف النفسي كان قليلاً لتقدم بشارة جبريل فكان التذكر كافياً ﴿فإما ترين﴾ أصله ترأيين مثل تسمعين خففت الهمزة وسقطت نون الإعراب للجزم ثم ياء الضمير للساكنين وذلك بعد لحوق نون التأكيد وقد مر في قوله :﴿واما يبلغن عندك الكبر﴾ [الإسراء: ٢٣] إذاً لتأكيد هذه الصورة يقصد به أن الشرط مما سيقع غالباً فإن مريم لا بد أن ترى أحداً من البشر عادة. عن أنس بن مالك : الصوم هنا الصمت. وعن ابن عباس مثله. وقال أبو عبيدة : كان ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم. وقيل : أراد الصيام إلا أنهم كانوا لا يتكلمون في صيامهم. قال القفال : لعل مثل هذا النذر يجوز في شرعنا لأن الاحتراز عن كلام البشر يجرد الفكر لذكر الله تعالى وهو قربة، ولعله لا يجوز لما فيه من التضييق والتشديد ولا حرج في الإسلام. وفي الكشاف : نهى رسول الله ﷺ عن صوم الصمت. وروي أنه دخل أبو بكر الصديق على امرأة وقد نذرت أنها لا تتكلم فقال أبو بكر : إن الإسلام هدم هذا فتكلمي. وفي أمرها بهذا النذر معنيان : أحدهما أن كلام عيسى أقوى في إزالة التهمة وفيه أن تفويض الأمر إلى الأفضل أولى، والثاني أن السكوت عن جدال السفهاء أصون للعرض ومن أذل الناس سفيه لم يجد مشافهاً.
وكيف أخبرتهم بالنذر ؟ قيل : بالإشارة وإلا لزم النقض. وقيل : خص هذا الكلام بالقرينة العقلية. وقوله :﴿إنسياً﴾ أراد المبالغة في نفي الكلام أو أراد أني أكلم الملائكة دون الإنس وهذا أشبه بقوله :﴿فإما ترين من البشر﴾.
الوقوف :﴿مريم﴾ لا ليصير " إذ " ظرفاً لأذكر ﴿شرقياً﴾ لا للعطف ﴿زكياً﴾ ٥ ﴿بغياً﴾ ٥ ﴿كذلك﴾ ط لما مر ﴿هين﴾ ج لجواز كون الواو مقحمة أو معلقة بمحذوف كما يجيء ﴿منا﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿مقضياً﴾ ٥ ﴿قصياً﴾ ٥ ﴿النخلة﴾ ج لترتب الماضي من غير عاطف والأولى أن يكون استئنافاً ﴿منسياً﴾ ٥ ﴿سرياً﴾ ٥ ﴿جنياً﴾ ٥ ز ﴿عيناً﴾ ٥ ج للشرط مع الفاء ﴿أحداً﴾ لا لأن ما بعده جواب الشرط ﴿نسياً﴾ ٥ ج للعطف مع الآية ﴿تحمله﴾ ط ﴿فرياً﴾ ٥ ﴿بغياً﴾ ٥ ج ﴿إليه﴾ ج ﴿صبياً﴾ ٥ ﴿عبد الله﴾ ط لأن الجملة لا تقع صفة للمعرفة. ويمكن أن يجعل معنى التحقيق في " إن " عاملاً فيكون حالاً فلا يوقف ﴿أينما كنت﴾ ص لطول الكلام ﴿حياً﴾ ص ٥ لذلك والوصل أولى لأن قوله ﴿وبراً﴾ معطوف على قوله ﴿مباركاً﴾. ﴿بوالدتي﴾ ج لتبدل الكلام من الإثبات إلى النفي ﴿شقياً﴾، ﴿حياً﴾ ٥، ﴿عيسى ابن مريم﴾ ج على القراءتين لاحتمال أن يراد أقول قول الحق وأن يجعل حالاً، وأما في قراءة الرفع فإما أن يكون بدلاً من عيسى أو يكون التقدير هو قول الحق ﴿يمترون﴾ ٥، ﴿من ولد﴾ ٥ استعجالاً للتنزيه ﴿سبحانه﴾ ط ﴿فيكون﴾ ٥ ط لمن قرأ ﴿وأن﴾ بالكسر ﴿فاعبدوه﴾ ط ﴿مستقيم﴾، ٥ ﴿من بينهم﴾ ج لأن ما بعده مبتدأ مع الفاء ﴿عظيم﴾ ٥ ﴿وأبصر﴾ لا لأن ما بعده ظرف للتعجب ﴿مبين﴾ ٥ وسمعت عن مشايخي رحمهم الله أن الوقف على قوله ﴿قضى الأمر﴾ لازم لا أقل من المطلوب لأن ما بعده جملة مستأنفة ولو وصل لأوهم أن يكون حالاً من القضاء وليس كذلك ﴿لا يؤمنون﴾، ٥ ﴿يرجعون﴾ ٥.
قال القفال : الجذع من النخلة هو الأسفل وما دون الرأس الذي عليه الثمرة. وقال قطرب : كل خشبة في أصل شجرة هي جذع، والباء في قوله :﴿بجذع النخلة﴾ كالزائد لأن العرب تقول هزة وهز به والمعنى حركي جذع النخلة أو افعلي الهز به.
وقيل : إن ألم النفس أشد من ألم البدن، فلم قدم دفع ألم البدن على دفع ألم القلب ؟ وأجيب بأن الخوف النفسي كان قليلاً لتقدم بشارة جبريل فكان التذكر كافياً ﴿فإما ترين﴾ أصله ترأيين مثل تسمعين خففت الهمزة وسقطت نون الإعراب للجزم ثم ياء الضمير للساكنين وذلك بعد لحوق نون التأكيد وقد مر في قوله :﴿واما يبلغن عندك الكبر﴾ [الإسراء: ٢٣] إذاً لتأكيد هذه الصورة يقصد به أن الشرط مما سيقع غالباً فإن مريم لا بد أن ترى أحداً من البشر عادة. عن أنس بن مالك : الصوم هنا الصمت. وعن ابن عباس مثله. وقال أبو عبيدة : كان ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم. وقيل : أراد الصيام إلا أنهم كانوا لا يتكلمون في صيامهم. قال القفال : لعل مثل هذا النذر يجوز في شرعنا لأن الاحتراز عن كلام البشر يجرد الفكر لذكر الله تعالى وهو قربة، ولعله لا يجوز لما فيه من التضييق والتشديد ولا حرج في الإسلام. وفي الكشاف : نهى رسول الله ﷺ عن صوم الصمت. وروي أنه دخل أبو بكر الصديق على امرأة وقد نذرت أنها لا تتكلم فقال أبو بكر : إن الإسلام هدم هذا فتكلمي. وفي أمرها بهذا النذر معنيان : أحدهما أن كلام عيسى أقوى في إزالة التهمة وفيه أن تفويض الأمر إلى الأفضل أولى، والثاني أن السكوت عن جدال السفهاء أصون للعرض ومن أذل الناس سفيه لم يجد مشافهاً.
وكيف أخبرتهم بالنذر ؟ قيل : بالإشارة وإلا لزم النقض. وقيل : خص هذا الكلام بالقرينة العقلية. وقوله :﴿إنسياً﴾ أراد المبالغة في نفي الكلام أو أراد أني أكلم الملائكة دون الإنس وهذا أشبه بقوله :﴿فإما ترين من البشر﴾.
﴿وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا﴾ [الشورى: ٥٢] ﴿فتمثل لها بشراً سوياً﴾ كما تمثل روح التوحيد بحروف " لا إله إلا الله " لانتفاع الخلق به. و﴿قالت إني أعوذ بالرحمن منك﴾ ظناً منها أنه يشغلها عن الله. ﴿قال إنما أنا رسول﴾ الوارد الرباني ﴿لأهب لك غلاماً زكياً﴾ طاهراً عن لوث الظلمة الأنسية وهو النفس المطمئنة القدسية. ﴿ولم يمسسني بشر﴾ خاطر من عالم البشرية ﴿ولم أك بغياً﴾ أطلب غير ما خلقت لأجله وهو التوجه إلى عالم الروح المجرد ﴿فحملته﴾ بالقوة القريبة من الفعل ﴿فانتبذت به مكاناً قصياً﴾ لافتقاره إلى العبور على منازل الشريعة والطريقة ﴿فأجاءها﴾ مخاض الطلب والتعب ﴿إلى جذع النخلة﴾ وهي كلمة " لا إله إلا الله " التي كان أصلها ثابتاً في أرض نفسها ﴿قالت يا ليتني مت قبل هذا﴾ قال بعض أهل التحقيق : هذه كلمة يذكرها الصالحون عند اشتداد الأمر عليهم. قال عليّ عليه السلام يوم الجمل : يا ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة. وعن بلال : ليت بلالاً لم تلده أمه. وقيل : إن مريم قالت ذلك لعلمها بأن الله تعالى يدخل النار خلقاً كثيراً بسبب تهمتها وبسبب الغلو والتقصير في حق ابنها قلت : إن مريم القلب قالت يا ليتني مت عن اللذات الجمسية قبل هذا الوقت الذي فزت باللذات الحقيقية وكنت نسياً منسياً، فإن الخمول راحة والشهرة آفة ﴿فناداها﴾ بلسان الحال من تحت تصرفها من آلات القوى ﴿أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك﴾ أي تحت تصرفك ﴿سرياً﴾ هو الغلام الموعود أو جدول الكشوف والعلوم الدينية ﴿وهزي إليك بجذع النخلة﴾ بالمداومة على الذكر ﴿تساقط عليك رطباً جنياً﴾ من المشاهدات والمكاشفات حالاً فحالاً ﴿فكلي واشربي﴾ من خوان الأفضال وبحر النوال من مادته " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " ﴿وقري عينا﴾ بأنوار الجمال في حجرة الوصال ﴿فأما ترين﴾ من السوانح البشرية ﴿أحداً فقولي إني نذرت للرحمن صوماً﴾ كما قيل الدنيا يوم ولنا فيه صوم أي الالتفات لغير الله. ﴿فأتت به قومها﴾ من عادة الجهال إنكار أحوال أهل الكمال. ﴿يا أخت هرون﴾ النفس المطمئنة أو الأمارة بناء على أن هارون كان صالحاً أو طالحاً ﴿وكان أبوك﴾ وهو الروح المفارق ﴿إمرأ سوء وما كانت أمك﴾ وهي القالب ﴿بغياً﴾ تستأنس إلى غير عالم الطبيعة التي خلقت لأجلها ﴿فأشارت إليه﴾ فيه أن هذا القوم هم أهل الإشارات ﴿في المهد﴾ مهد السر وذلك المتولد من نفخ الروح في مريم القالب ليس ابناً لله ولا محلاً له ولا نفسه. ﴿فاختلف الأحزاب﴾ فقوم عبدوا الله لأجله، وقوم عبدوه طمعاً في جنته، وقوم عبدوا الهوى وذلك قوله :﴿فويل للذين كفروا﴾ ﴿أسمع بهم﴾ أي بأهل الله ﴿وأبصر يوم يأتوننا﴾ فإنهم بالله يسمعون وبه يبصرون.
و﴿رطباً﴾ تمييز ومفعول تساقط على حسب القراآت اللازمة والمتعدية. وعن الأخفش المراد جواز انتصابه بـ ﴿هزي﴾ أي هزي إليك رطباً جنياً بجذع النخلة أي على جذعها. والجني المأخوذ طرياً. والظاهر أنه ما أثمر إلا الرطب وقد صار نخلاً. وقيل : إنه كان على حاله وإنه أثمر مع الرطب غيره. قالوا : إذا عسر ولادة المرأة لم يكن لها خير من الرطب، والتمر للنفساء عادة من ذلك الوقت وكذا التحنيك. والمراد أنه جمع لها فائدتان في السري والرطب : إحداهما الأكل والشرب وقدم الأكل مع أن ذكر السري مقدم لأن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء لكثرة ما سال من الدماء، والثانية سلوة الصدر لكونهما معجزين لزكريا أو إرهاصاً لعيسى أو كرامتين لمريم وأشار إلى هذه بقوله :﴿وقري عيناً﴾ لأن قرّة العين تلزم قوة القلب والتسلي من الهموم والأحزان.
وقيل : إن ألم النفس أشد من ألم البدن، فلم قدم دفع ألم البدن على دفع ألم القلب ؟ وأجيب بأن الخوف النفسي كان قليلاً لتقدم بشارة جبريل فكان التذكر كافياً ﴿فإما ترين﴾ أصله ترأيين مثل تسمعين خففت الهمزة وسقطت نون الإعراب للجزم ثم ياء الضمير للساكنين وذلك بعد لحوق نون التأكيد وقد مر في قوله :﴿واما يبلغن عندك الكبر﴾ [الإسراء: ٢٣] إذاً لتأكيد هذه الصورة يقصد به أن الشرط مما سيقع غالباً فإن مريم لا بد أن ترى أحداً من البشر عادة. عن أنس بن مالك : الصوم هنا الصمت. وعن ابن عباس مثله. وقال أبو عبيدة : كان ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم. وقيل : أراد الصيام إلا أنهم كانوا لا يتكلمون في صيامهم. قال القفال : لعل مثل هذا النذر يجوز في شرعنا لأن الاحتراز عن كلام البشر يجرد الفكر لذكر الله تعالى وهو قربة، ولعله لا يجوز لما فيه من التضييق والتشديد ولا حرج في الإسلام. وفي الكشاف : نهى رسول الله ﷺ عن صوم الصمت. وروي أنه دخل أبو بكر الصديق على امرأة وقد نذرت أنها لا تتكلم فقال أبو بكر : إن الإسلام هدم هذا فتكلمي. وفي أمرها بهذا النذر معنيان : أحدهما أن كلام عيسى أقوى في إزالة التهمة وفيه أن تفويض الأمر إلى الأفضل أولى، والثاني أن السكوت عن جدال السفهاء أصون للعرض ومن أذل الناس سفيه لم يجد مشافهاً.
وكيف أخبرتهم بالنذر ؟ قيل : بالإشارة وإلا لزم النقض. وقيل : خص هذا الكلام بالقرينة العقلية. وقوله :﴿إنسياً﴾ أراد المبالغة في نفي الكلام أو أراد أني أكلم الملائكة دون الإنس وهذا أشبه بقوله :﴿فإما ترين من البشر﴾.