الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿فَأَشَارَتْ﴾ : الإِشارةُ معروفةٌ تكونُ باليد والعين وغير ذلك وألفُها عن ياءٍ. وأنشدوا لكثيِّر :
فقلتُ وفي الأحشاءِ داءٌ مُخامِرٌألا حَبَّذا يا عَزُّ ذاك التَّشايُرُ
قوله :﴿مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً﴾ في " كان " هذه أقوالٌ. أحدُها : أنها زائدةٌ وهو قولُ أبي عبيد، أي : كيف نُكَلِّمُ مَنْ في المهد. و " صَبِيَّا " على هذا نصبٌ على الحالِ من الضمير المستتر في الجارِّ والمجرورِ الواقع صلةً. وقد رَدَّ أبو بكرٍ هذا القولَ - أعني كونَها زائدةً - بأنها لو كانَتْ زائدةً لَما نَصَبَتِ الخبرَ، وهذه قد نصَبتْ " صَبيَّا ". وهذا الردُّ مردودٌ بما ذكرتُه مِنْ نصبِه على الحال لا الخبرِ.
الثاني : أنها تامةٌ بمعنى حَدَث ووُجد. والتقدير : كيف نكلِّم مَنْ وُجْد صبيَّا، و " صَبِيَّاً " حال من الضمير في " كان ".
الثالث : أنها بمعنى صار، أي : كيف نُكَلِّم مَنْ صار في المهد صَبِيَّا، و " صَبِيَّا " على هذا خبرُها، فهو كقوله :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** قَطا الحَزْن قد كانَتْ فِراخاً بُيُوضُها
الرابع : أنها الناقصةُ على بابها مِنْ دلالتِها على اقتران مضمونِ الجملة بالزمان الماضي مِنْ غيرِ تَعَرُّضٍ للانقطاع كقوله تعالى :﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ [النساء: ٩٦]، ولذلك يُعَبِّر عنها بأنها ترادِف " لم تَزَلْ ". قال الزمخشري :" كان " لإِيقاع مضمون الجملة في زمانٍ ماضٍ مبهمٍ صالحٍ للقريبِ والبعيد. وهو هنا لقريبِه خاصةً، والدالُّ عليه معنى الكلام، وأنه مسوقٌ للتعجب. ووجه آخر : وهو أَنْ يكونَ " نُكَلِّمُ " حكاية حالٍ ماضيةٍ، أي : كيف عُهِد قبل عيسى أَنْ يُكَلِّمَ الناسَ صبيَّا في المهد حتى نُكَلِّمَه نحن " ؟
وأمَّا " مَنْ " فالظاهرُ أنَّها موصولةٌ بمعنى الذي. ويَضْعُفُ جَعْلُها نكرةً موصوفة، أي : كيف نُكَلِّم شخصاً أو مولوداً. وجَوَّز الفراء والزجاج فيها أَنْ تكون شرطيةً. و " كان " بمعنى " يكنْ "، وجوابُ الشرطِ : إمَّا متقدِّمٌ وهو " كيف نُكَلِّم "، أو محذوفٌ لدلالةِ هذا عليه، اي : مَنْ يكنْ في المهدِ صبياً فكيف نُكَلِّمه ؟ فهي على هذا مرفوعةُ المحلِّ بالابتداءِ، وعلى ما قبله منصوبتُه ب " نكلِّم ". وإذا قيل بأنَّ " كان " زائدةٌ. هل تتحمَّل ضميراً أم لا ؟ فيه خلاف، ومَنْ جَوَّز استدلَّ بقوله :
فكيف إذا مَرَرْتَ بدارِ قومٍوجيرانٍ لنا كانوا كرامِ
فرفع بها الواوَ. ومَنْ منع تأوَّل البيتَ بأنها غيرُ زائدةٍ، وأنَّ خبرَها هو " لنا " قُدِّم عليها، وفُصِل بالجملة بين الصفة والموصوف.
وأبو عمروٍ يُدغم الدالَ في الصاد. والأكثرون على أنه إخفاءٌ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى