الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿أَرَاغِبٌ أَنتَ﴾ : يجوز فيه وجهان، أحدُهما : أَنْ يكون " راغبٌ " مبتدأً لاعتمادِه على همزةِ الاستفهام، و " أنت " فاعلٌ سَدَّ مَسَدَّ الخبر. والثاني : أنه خبر مقدمٌ، و " أنت " مبتدأ مؤخر ورُجِّح الأولُ بوجهين، أحدهما : أنه ليس فيه تقديمٌ ولا تأخير ؛ إذ رتبهُ الفاعلِ التأخيرُ عن رافعِه. والثاني أنه لا يلزم فيه الفصلُ بين العاملِ ومعمولِه بما ليس معمولاً للعامل ؛ وذلك لأنَّ ﴿عَنْ آلِهَتِي﴾ متعلقٌ ب " راغِبٌ "، فإذا جُعل " أنت " فاعلاً فقد فُصِل بما هو كالجزءِ من العامل، بخلافِ جَعْلِه خبراً فإنه أجنبي إذ ليس معمولاً ل " راغبٌ ".
قوله :" مَلِيَّاً " في نصبه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها : أنه منصوبٌ على الظرفِ الزماني، أي : زمناً طويلاً، ومنه " المَلَوان " للَّيلِ والنهارِ، وَمَُِلاوةُ الدَّهْر بتثليث الميم قال :
فَعُسْنا بها من الشَّبابِ مَلاوةًفالحجُّ آيات الرسولِ المحبِّبِ
وأنشد السدِّي على ذلك لمهلهل :
فتصَدَّعَتْ صُمُّ الجِبالِ لمَوْتِهوبَكَتْ عليه المُرْمِلاتُ مَلِيَّا
والثاني : أنه منصوبٌ على الحال معناه : سالماً سَويَّاً. كذا فسَّره ابن عباس : فهو حالٌ مِنْ فاعلِ " اهْجُرْني "، وكذلك فَسَّره ابنُ عطيةَ قال :" معناه : مُسْتَبداً، أي : غنيَّاً من قولهم هو مَلِيٌّ بكذا وكذا ". قال الزمخشري :" أي : مُطيقاً " والثالث : أنه نعت لمصدر محذوف، أي : هَجْراً مَلِيَّاً يعني : واسعاً متطاولاً كتطاول الزمان الممتد.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى