اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً﴾ فقوله :«مِنَّا » إشارة إلى بيان فضل داود لأن قوله :﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ منّا فضلاً﴾ مستقبل(١) بالمفهوم وتام كما يقول القائل : آتَى الملك زيداً خلعةً، فإذا قال القائل : آتاه منه خلعَةً يفيد أنه كان من خاصِّ ما يكون له فكذلك إيتاء الله الفضل عام لكن النبوة من عنده خاص بالبعض، ونظيره قوله تعالى :﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ﴾ [التوبة: ٢١] فإنَّ رحمة الله واسعةٌ تصلُ إلى كل أحد لكن رحمته في الآخرة على المؤمنين رحمة من عنده لخواصِّه(٢)، والمراد بالفضل النبوة والكتاب، وقيل : الملك، وقيل : جميع ما أوتِيَ من حُسْن الصوت وتَلْيِين الحديد وغير ذلك مما خُصَّ به(٣).
قوله :«يَا جِبَالُ » محكيّ بقول مضمر(٤)، ثم إن شئت قدرته مصدراً ويكون بدلاً من «فضلاً » على جهة تفسيره به كأنه قيل : آتيناهُ فضلاً قولَنَا يَا جبالُ، وإن(٥) شئت جعلته مستأنفاً.
قوله :«أَوِّبي » العامة على فتح الهمزة، وتشديد الواو، أمراً من التَّأويب وهو التَّرجيع(٦)، وقيل : التسبيح بلغة الحَبَشَة(٧)، وقال القُتَيْبيُّ(٨) : أصله من التأويب في السير وهو أن يسير النهار كله، وينزل ليلاً كأنه قال : أدْأَبِي النَّهار كُلَّهُ بالتسبيح معه(٩)، وقال وهب : نوحي معه(١٠)، وقيل : سيري معه(١١)، والتضعيف يُحتمل أن يكون للتكثير، واختار أبو حيان أن يكون للتعدي قال : لأنهم فَسَّروه برجع مع التسبيح(١٢)، ولا دليل فيه لأنه دليل معنى(١٣).
وقرأ ابنُ عباس والحَسَنُ وقتادةُ وابنُ أبي إسحاق : أُوبِي بضم الهمزة أمراً من آبَ يَؤُوبُ أي ارجع معه بالتسبيح(١٤).
قوله :«والطير » العامة على نصبه وفيه أوجه :
أحدها : أنه عطف على محل جبال لأنه منصوب تقديراً(١٥).
الثاني : أنه مفعول معه قاله الزجاج(١٦). ورد عليه بأنه قبله لفظ «معه » ولا يقتضي العامل أكثرَ من مفعول معه واحد إلا بالبدل أو العطف لا يقال : جَاءَ زَيْدٌ مَعَ بَكْرٍ مَعَ عَمْروٍ(١٧). قال شهاب الدين : وخلافهم في تَقَصِّيه(١٨) حالين يقتضي مجيئه هنا(١٩).
الثالث : أنه عطف على «فضلاً »، قاله الكسائي(٢٠) ولا بدّ من حذف مضاف تقديره آتيناه فضلاً وتَسْبِيح الطير.
الرابع : أنه منصوب بإضمار فعل أي سَخَّرْنَا لَهُ الطَّيْرَ. قاله أبو عمرو(٢١)، وقرأ السُّلَميُّ والأعرجُ ويعقوبُ وأبو نوفل(٢٢) وأبو يَحْيَى(٢٣) وعاصمٌ - في رواية - والطَّيْرُ(٢٤) بالرفع، وفيه أوجه : النسق على لفظ «الجبال(٢٥) » وأنشد :
٤١١٤- أَلاَ يَا زَيْدُ وَالضَّحَّاكُ سِيرَا. . . فَقَدْ جَاوزتُمَا خَمَرَ الطَّرِيق(٢٦)
بالوجهين، وفي عطفِ المعرف بأل على المنادى المضموم ثلاثة مذاهب(٢٧)، الثاني : عطفه على الضمير المستكن في «أَوِّبِي(٢٨) » وجاز ذلك، للفصل بالظرف(٢٩)، والثالث : الرفع على الابتداء والخبر مضمر أي والطيرُ كذلك(٣٠) أي مؤوبةٌ.

فصل


لم يكن الموافقون له في التأويب منحصراً في الطير والجبال ولكن ذكر الجبال لأن الصخور للجُمُود والطير للنفور وكلاهما مستبعد منه الموافقة، فإذا وافقه هذه الأشياء فغيرها أولى ثم إن من الناس من لم يوافقه وهم القاسية قلوبهم التي هي أشَدّ قسوة(٣١).
قال المفسرون كان داود إذا نادى بالنياحة أجابته الجبال بصَدَاها وعكفت الطير على من فوقه فصدى الجبال الذي يسمعه الناس اليوم من ذلك وقيل : كان داود إذا تخلل الجبال فسبح الله جعلت الجبال تجاوبه بالتسبيح. وقيل : كان داود إذا لحقه فتور أسمعه الله تسبيح الجبال تنشيطاً له(٣٢).
قوله :«وَأَلَنَّا » عطف على «آتَيْتَا » وهو من جملة الفَضْل، قال ابن الخطيب : ويحتمل أن يعطف على «قلنا » في قوله ﴿ياجبال أَوِّبِي. . . . . وَأَلَنَّا﴾(٣٣).

فصل


ألان الله تعالى له الحديد حتى كان في يده كالشمع والعجين يعمل منه ما يشاء من غير نار ولا ضرب مِطْرَقَةٍ وذلك في قدرة الله يسير، روي أنه طلب من الله أن يغنيه عن أكل مال بيت المال فألان الله له الحديدَ وعلمه صنعة اللَّبُوس وهي الدرع(٣٤) وأنه أول من اتخذها. وإنما اختار الله له ذلك لأنه وقاية للروح التي هي من أمره وتحفظ الآدمي المكرم عند الله من القتل، فالزَّرَّاد(٣٥) خيرمن القوَّاس والسَّيَّاف وغيرهما ؛ لأن القوس(٣٦) والسيف وغيرهما من السلاح رُبَّمَا يستعمل في قتل النفس المحرمة، بخلاف الدَّرع قال عليه ( الصلاة(٣٧) و ) السلام :«كَانَ دَاوُدُ لاَ يَأكُلُ إلاَّ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ »(٣٨).
١ في "ب" هكذا وما في "أ" والفخر الرازي مستقل وهو الأصح..
٢ المرجع السابق..
٣ البغوي والخازن ٥/٢٨٢ و ٢٨٣..
٤ هذا قول أبي البقاء في التبيان ١٠٦٤ والزجاج في معاني القرآن وإعرابه ٤/٢٤٣ والدر المصون ٤/٤١٦..
٥ الحق أن الاستئناف لا يجوز إلا بعد أن يقدر القول المضمر هذا ومن الإمكان أن يقدر مصدرا أو فعلا فإن قدر فعلا لنا فيه وجهان: أحدهما: ما ذكره وهو الاستئناف. والثاني: جعله بدلا من "آتينا" فكلمة الجبال محكية بقول إما مصدر وإما فعل. انظر ذلك في الكشاف ٣/٢٨١ والدر المصون ٤/٤١٦ والبحر ٧/٢٦٢..
٦ المراجع السابقة..
٧ البحر ٧/٢٦٢ والجامع لأحكام القرآن ١٤/٢٦٥..
٨ هو ابن قتيبة وقد عرفت به آنفا..
٩ ٣٥٢ وقاله أيضا في تأويل المشكل ٨٤ واللسان آب..
١٠ القرطبي ١٤/٢٦٤..
١١ معالم التنزيل ٥/٣٨٣..
١٢ البحر ٧/٢٦٢..
١٣ الدر المصون ١٤/٤١٦ والعبرة بالتعدي باللفظ..
١٤ مختصر ابن خالويه ١٢١ وبدون نسبة في معاني القرآن للفراء ٢/٣٥٥ وانظر أيضا القرطبي ١٤/٢٦٥..
١٥ قال بذلك أبو البقاء في التبيان ١٠٦٤ ومكي في مشكل الإعراب ٢/٢٠٣ وابن الأنباري في البيان ٢/٢٧٥ والفراء في معاني القرآن ٢/٣٥٥ وأبو جعفر النحاس في إعراب القرآن ٣/٣٣٤ نقلا عن سيبويه وأبو حيان في البحر ٧/٢٦٣ والزجاج في معاني القرآن وإعرابه ٤/٢٤٣ والزمخشري في الكشاف ٣/٢٨١ والقرطبي في الجامع ١٤/٢٦٦. .
١٦ معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٤/٢٤٣..
١٧ هذا رأي واعتراض أبي حيان على أبي إسحاق الزجاج فيما نقله عنه المؤلف فقد قال في البحر ٧/٢٦٣: وهذا لا يجوز لأن قبله "معه" ولا يقتضي الفعل اثنين من المفعول معه الخ...
١٨ في "ب" نصبه وكلتا الكلمتين غير متباعدتين..
١٩ اتفقوا على أنه إذا كان العامل يقتضي المشاركة بلفظ التفاعل فيجوز أن يعمل في الحالين كتخاصم زيد قائما وعمرو قاعدا وألا يدل على المشاركة ففيه خلاف فذهب أبو علي: إلى أنه معمول لما قبله الذي مثله، وذهب أبو الفتح إلى أنه صفة له. وذهب أبو إسحاق الزجاج إلى أن الثاني صفة للأول. وعلى ذلك فهو من تمام المعمول الأول فلم يعمل الفعل في الحالين. وقد عبر أبو حيان عن رأيه بأن العامل في المعمولين واحد وهو الفعل لأن مجموعهما معا هو الحال لا أحدهما. انظر: البحر ٧/٢٦٣ والهمع ١/٢٣٧ و ٢٣٨ وشرح الكافية للعلامة الرضي ١/٢٠٨ و ٢٠٩ وانظر رأي شهاب الدين في الدرر ٤/٤١٦..
٢٠ إعراب القرآن للنحاس ٤/٣٣٤ والبحر ٧/٢٦٣ ومشكل إعراب القرآن ٢/٢٠٤ والقرطبي ١٤/٢٦٦..
٢١ المراجع السابقة..
٢٢ أحمد بن المبارك بن نوفل أبو العباس النصيبي إمام مجود صادق مات سنة ٦٦٤ هـ. انظر: غاية النهاية ١/٩٩..
٢٣ هو محمد بن عبد الرحمن أبو يحيى المكي أخذ عن إسحاق الخزاعي، وأبي ربيعة روى عنه محمد بن أشتة مات سنة ٤٣ هـ. انظر: الغاية ٢/١٦٣..
٢٤ مختصر ابن خالويه ١٢١ والكتاب لسيبويه ٢/١٨٧، والقرطبي ١٤/٢١٦ والبحر ٧/٢٦٣ والكشاف ٣/٢٨١ والنشر ٢/٣٣٥..
٢٥ ذكره النحاس في إعراب القراء ٤/٣٣٤ وأبو البقاء في التبيان ١٠٦٤ وابن الأنباري في البيان ٢/٢٧٥ والفراء في معاني القرآن ٢/٣٥٥ ومكي في المشكل ٢/٢٠٤..
٢٦ من تمام الوافر وهو مجهول القائل: وشاهده: عطف "الضحاك" على زيد عطفا نسقيا على اللفظ ويجوز فيه النصب عطفا على محل المنادى فالمنادى في محل نصب لأنه أصلا مفعول به والخمر: بالتحريك ما سترك من شجر ونحوه. وانظر: معاني الفراء ٢/٣٥٥ وشرح المفصل لابن يعيش ١/٢٩ والهمع ٢/١٤٢ والدر ٢/١٩٦ والطبري ٢٢/٤٦ بلفظ "ألا يا عمرو"..
٢٧ الأولان الرفع حملا على لفظ المنادى والثاني النصب حملا على محله والثالث: التفصيل، ولكل رجاله ومؤيدوه، فالرفع اختيار الخليل وسيبويه والمازني والثاني اختيار عيسى بن عمر وأبي عمرو والجرمي والثالث وهو التفصيل إن كان المنادى معرفة فالاختيار النصب وإن كان نكرة فالرفع وهو يعزى للمبرد. انظر: توضيح المقاصد ٣/٢٩٥، ومقتضب المبرد ٤/٢١٢ و ٢١٣..
٢٨ البيان ٢/٢٧٦ والتبيان ١٠٦٤ ومعاني الفراء ٢/٣٥٥ ومشكل القرآن ٢/٢٠٤ ومعاني الزجاج ٤/٢٤٣. وإعراب النحاس ٣/٣٣٤.
٢٩ البيان والمشكل والتبيان المراجع السابقة..
٣٠ قاله أبو حيان ٧/٢٦٣..
٣١ قاله الرازي في تفسيره ٢٥/٢٤٥..
٣٢ انظر كل هذه الآراء في معالم التنزيل والخازن ٥/٢٨٣ وزاد المسير ٦/٤٣٦..
٣٣ انظر: التفسير الكبير للرازي المرجع السابق ٢٥/٢٤٥..
٣٤ في "ب" الدروع بالجمع..
٣٥ هو صانع الدروع قال ابن منظور: "والزراد صانعها" اللسان: "زرد" ١٨٢٤..
٣٦ في "ب" لأن السيف والقوس بتقديم كليهما على الآخر..
٣٧ بزيادة من "ب"..
٣٨ الحديث رواه المقدام رضي الله عنه فيما أورده البخاري في صحيحه ٢/٦ كتاب البيوع وانظر في هذا الإمام الرازي ٢٥/٢٤٦..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى