زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدُ مِنَّا فَضْلاً﴾ وهو النبوة والزبور وتسخير الجبال والطير، إلى غير ذلك مما أنعم الله به عليه ﴿يا جِبَالُ أَوّبي مَعَهُ﴾ وروى الحلبي عن عبد الوارث :" أَوّبِي " بضم الهمزة وتخفيف الواو. قال الزجاج : المعنى : وقلنا يا جبال أوبي معه، رجعي معه والمعنى : سبحي معه ورجعي التسبيح. ومن قرأ :" أَوّبِي " معناه : عودي في التسبيح معه كلما عاد. وقال ابن قتيبة :" أَوّبِي " أي سبحي، وأصل التأويب في السير، وهو أن يسير النهار كله، وينزل ليلا، فكأنه أراد : ادأبي النهار كله بالتسبيح إلى الليل.
قوله تعالى :﴿وَالطَّيْرُ﴾ وقرأ أبو رزين، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو العالية، وابن أبي عبلة :" وَالطَّيْرُ " بالرفع. فأما قراءة النصب، فقال أبو عمرو بن العلاء : هو عطف على قوله :﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاُودُ مِنَّا فَضْلاً﴾ ﴿وَالطَّيْرُ﴾ أي : وسخرنا له الطير. قال الزجاج : ويجوز أن يكون نصبا على النداء، كأنه قال : دعونا الجبال والطيرَ، فالطير معطوف على موضع الجبال، وكل منادى عند البصريين فهو في موضع نصب ؛ قال : وأما الرفع، فمن جهتين، إحداهما : أن يكون نسقا على ما في " أَوّبِي " فالمعنى : يا جبال رجعي التسبيح معه أنت والطير ؛ والثانية : على النداء، المعنى : يا جبال ويا أيها الطير أوبي معه. قال ابن عباس : كانت الطير تسبح معه إذا سبح، وكان إذا قرأ لم تبق دابة إلا استمعت لقراءته وبكت لبكائه. وقال وهب بن منبه : كان يقول للجبال : سبحي، وللطير : أجيبي، ثم يأخذ هو في تلاوة الزبور بين ذلك بصوته الحسن، فلا يرى الناس منظرا أحسن من ذلك، ولا يسمعون شيئا أطيب منه.
قوله تعالى :﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ أي : جعلناه لينا. قال قتادة : سخر الله له الحديد بغير نار، فكان يسويه بيده، لا يدخله النار، ولا يضربه بحديدة، وكان أول من صنع الدروع، وكانت قبل ذلك صفائح.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى