الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
﴿ياجبال﴾ إمّا أن يكون بدلاً من ﴿فَضْلاً﴾، وإمّا من ﴿ءاتَيْنَا﴾ بتقدير : قولنا يا جبال. أو : قلنا يا جبال. وقرىء :«أوّبي » و «أوبي » من التأويب. والأوب : أي رجعي معه التسبيح. أو ارجعى معه في التسبيح كلما رجع فيه ؛ لأنه إذا رجعه فقد رجع فيه : ومعنى تسبيح الجبال : أنّ الله سبحانه وتعالى يخلق فيها تسبيحاً كما خلق الكلام في الشجرة، فيسمع منها ما يسمع من المسبح : معجزة لداود. وقيل : كان ينوح على ذنبه بترجيع وتحزين، وكانت الجبال تسعده على نوحه بأصدائها والطير بأصواتها. وقرىء :«والطير »، رفعاً ونصباً، وعطفاً على لفظ الجبال ومحلها. وجوّزوا أن ينتصب مفعولاً معه، وأن يعطف على فضلاً، بمعنى وسخرنا له الطير.
فإن قلت : أي فرق بين هذا النظم وبين أن يقال :﴿ءاتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً﴾ تأويب الجبال معه والطير ؟ قلت : كم بينهما. ألا ترى إلى ما فيه من الفخامة التي لا تخفى : من الدلالة على عزّة الربوبية وكبرياء الإلهية، حيث جعلت الجبال منزّلة منزلة العقلاء الذي إذا أمرهم أطاعوا وأذعنوا، وإذا دعاهم سمعوا وأجابوا : إشعاراً بأنه ما من حيوان وجماد وناطق وصامت، إلا وهو منقاد لمشيئته، غير ممتنع على إرادته ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الحديد﴾ وجعلناه له ليناً كالطين والعجين والشمع، يصرفه بيده كيف يشاء من غير نار ولا ضرب بمطرقة. وقيل : لأن الحديد في يده لما أوتي من شدّة القوّة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى