الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
﴿الذين كَفَرُواْ﴾ قريش. قال بعضهم لبعض :﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ على رَجُلٍ﴾ يعنون محمداً ﷺ : يحدثكم بأعجوبة من الأعاجيب : أنكم تبعثون وتنشئون خلقاً جديداً بعد أن تكونوا رفاتاً وتراباً ويمزق أجسادكم البلى كل ممزق، أي : يفرقكم ويبدد أجزاءكم كل تبديد. أهو مفتر على الله كذباً فيما ينسب إليه من ذلك ؟ أم به جنون يوهمه ذلك ويلقيه على لسانه ؟ ثم قال سبحانه ليس محمد من الافتراء والجنون في شيء، وهو مبرأ منهما ؛ بل هؤلاء القائلون الكافرون بالبعث : واقعون في عذاب النار فيما يؤديهم إليه من الضلال عن الحق وهم غافلون عن ذلك، وذلك أجنّ الجنون وأشدّه إطباقاً على عقولهم : جعل وقوعهم في العذاب رسيلاً لوقوعهم في الضلال، كأنهما كائنان في وقت واحد : لأنّ الضلال لما كان العذاب من لوازمه وموجباته : جعلا كأنهما في الحقيقة مقترنان. وقرأ زيد بن عليّ رضي الله عنه : ينبيكم.
فإن قلت : فقد جعلت الممزق مصدراً، كبيت الكتاب :
أَلَمْ تَعْلَمْ مُسَرَّحِي الْقَوَافِيفَلاَعِيّاً بِهِنَّ وَلاَ اجْتِلاَبَاً
فهل يجوز أن يكون مكاناً ؟ قلت : نعم. ومعناه ما حصل من الأموات في بطون الطير والسباع، وما مرّت به السيول فذهبت به كل مذهب، وما سفته الرياح فطرحته كل مطرح.
فإن قلت : ما العامل في إذا ؟ قلت : ما دلّ عليه ﴿إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وقد سبق نظيره.
فإن قلت : الجديد فعيل بمعنى فاعل أم مفعول ؟ قلت : هو عند البصريين بمعنى فاعل، تقول : جد فهو جديد، كحدّ فهو حديد، وقلّ فهو قليل. وعند الكوفيين بمعنى : مفعول، من جدّه إذا قطعه. وقالوا : هو الذي جده الناسج الساعة في الثوب ؛ ثم شاع. ويقولون : ولهذا قالوا ملحفة جديد، وهي عند البصريين كقوله تعالى :﴿إن رحمة الله قريب﴾ [الأعراف: ٥٦] ونحو ذلك.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى