جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
وقوله :( أجَعَلَ الآلهة إِلها وَاحِدا ) : يقول : وقال هؤلاء الكافرون الذين قالوا : محمد ساحر كذّاب : أجعل محمد المعبودات كلها واحدا، يسمع دعاءنا جميعنا، ويعلم عبادة كل عابد عبدَه منا إنّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجابٌ : أي إن هذا لشيء عجيب، كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :( أجَعَلَ الاَلِهَةَ إلَها وَاحِدا إنّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجابٌ ) قال : عجب المشركون أن دُعوا إلى الله وحده، وقالوا : يسمع لحاجاتنا جميعا إله واحد ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة.
وكان سبب قيل هؤلاء المشركين ما أخبر الله عنهم أنهم قالوه، من ذلك، أن رسول الله ﷺ قال لهم :«أسْأَلُكُمْ أنْ تُجِيبُونِي إلى وَاحِدَةٍ تَدِينُ لَكُمْ بِها العَرَبُ، وَتُعْطِيكُمْ بِها الخَرَاجَ العَجَمُ » فقالوا : وما هي ؟ فقال :«تقولون لا إلَهَ إلاّ اللّهُ »، فعند ذلك قالوا :( أجَعَلَ الاَلَهَةَ إلَها وَاحِدا ) تعجبا منهم من ذلك. ذكر الرواية بذلك :
حدثنا أبو كُرَيب وابن وكيع، قالا : حدثنا أبو أُسامة، قال : حدثنا الأعمش، قال : حدثنا عباد، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قال : لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل بن هشام فقالوا : إن ابن أخيك يشتم آلهتنا، ويفعل ويفعل، ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته فبعث إليه، فجاء النبيّ ﷺ فدخل البيت، وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل، قال : فخشي أبو جهل إن جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرق له عليه، فوثب فجلس في ذلك المجلس، ولم يجد رسول الله ﷺ مجلسا قرب عمه، فجلس عند الباب، فقال له أبو طالب : أي ابن أخي، ما بال قومك يشكونك ؟ يزعمون أنك تشتم آلهتهم، وتقول وتقول قال : فأكثروا عليه القول، وتكلم رسول الله ﷺ فقال :«يا عَمّ إنّي أُرِيدُهُمْ عَلى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يَقُولُونَهَا، تَدِينُ لَهُمْ بِها العَرَبُ، وَتُؤَدّي إلَيْهِمْ بِها العَجَمُ الجِزْيَةَ »، ففزعوا لكلمته ولقوله، فقال القوم : كلمة واحدة ؟ نعم وأبيك عَشْرا فقالوا : وما هي ؟ فقال أبو طالب : وأيّ كلمة هي يا ابن أخي ؟ قال :«لا إلَهَ إلاّ اللّهُ » قال : فقاموا فِزعين ينفضون ثيابهم، وهم يقولون :( أجَعَلَ الاَلِهَةَ إلَها وَاحِدا إنّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجابٌ )، قال : ونزلت من هذا الموضع إلى قوله : لمّا يَذُوقُوا عَذَابِ اللفظ لأبي كريب.
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن يحيى بن عمارة، عن سعيد بن جُبَير عن ابن عباس، قال : مرض أبو طالب، فأتاه رسول الله ﷺ يعوده، وهم حوله جلوس، وعند رأسه مكان فارغ، فقام أبو جهل فجلس فيه، فقال أبو طالب : يا ابن أخي ما لقومك يشكونك ؟ قال :«يا عَمّ أُرِيدُهُمْ عَلى كَلِمَةٍ تَدِينُ لَهُمْ بِها العَرَبُ، وتُؤَدّي إلَيْهِمْ بِها العَجَمُ الجِزْيَةَ » قال : ما هي ؟ قال :«لا إلَهَ إلاّ اللّهُ » فقاموا وهم يقولون : ما سَمِعْنا بِهذَا في المِلّةِ الاَخرةِ إنْ هَذَا إلاّ اخْتِلاقٌ ونزل القرآن : ص والقُرآنِ ذِي الذّكْرِ ذي الشرف بَلِ الّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزّةٍ وَشِقاقٍ حتى قوله : أجَعَلَ الاَلِهَةَ إلَها وَاحِدا.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن الأعمش، عن يحيى بن عمارة، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قال : مرض أبو طالب، ثم ذكر نحوه، إلا أنه لم يقل ذي الشرف، وقال : إلى قوله : إنّ هَذَا لَشْيءٌ عُجابٌ.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن يحيى بن عمارة، عن سعيد بن جُبَير، قال : مرض أبو طالب، قال : فجاء النبيّ ﷺ يعوده، فكان عند رأسه مقعدُ رجل، فقام أبو جهل، فجلس فيه، فشكَوا النبيّ ﷺ إلى أبي طالب، وقالوا : إنه يقع في آلهتنا، فقال : يا ابن أخي ما تريد إلى هذا ؟ قال :«يا عمّ إنّي أُريدُهُمْ على كَلِمَةٍ تَدِينُ لَهُمْ بِها العَرَبُ، وتُؤَدّي إلَيْهِمُ العَجَمُ الجِزْيَةَ » قال : وما هي ؟ قال :«لا إلَهَ إلاّ اللّهُ »، فقالوا : أجَعَلَ الاَلِهَةَ إلَها وَاحِدا إنّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجابٌ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى