جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
وقد اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والبصرة وبعض الكوفيين :«مَكانا سِوًى » بكسر السين، وقرأته عامة قرّاء الكوفة : مَكانا سُوًى بضمها.
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندنا، أنهما لغتان، أعني الكسر والضم في السين من «سوى » مشهورتان في العرب. وقد قرأت بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، مع اتفاق معنييهما، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وللعرب في ذلك إذا كان بمعنى العدل والنصب لغة هي أشهر من الكسر والضم وهو الفتح، كما قال جلّ ثناؤه " تَعَالُوا إلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَينَنا وَبَيْنَكُمْ " وإذا فتح السين منه مدّ. وإذا كسرت أو ضمت قصر، كما قال الشاعر :
| فإنّ أبانا كانَ حَلّ بِبَلْدَةٍ | سُوًى بينَ قَيْسٍ قَيْسٍ عَيْلانَ والفِزْرِ |
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : " مَكانا سُوًى " قال : منصفا بينهم.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، بنحوه.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة " مَكانا سوًى " : أي عادلاً بيننا وبينك.
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قَتادة، قوله : " مَكانا سُوًى " قال : نصفا بيننا وبينك.
حدثنا موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، في قوله : " فاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِدا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أنْتَ مَكانا سُوًى " قال : يقول : عدلاً. وكان ابن زيد يقول في ذلك ما :
حدثني به يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : " مَكانا سُوًى " قال : مكانا مستويا يتبين للناس ما فيه، لا يكون صوب ولا شيء فيغيب بعض ذلك عن بعض مستوٍ حين يرى.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (٥٨)﴾
يقول تعالى ذكره: قال فرعون لما أريناه آياتنا كلها لرسولنا موسى: أجئتنا يا موسى لتخرجنا من منازلنا ودورنا بسحرك هذا الذي جئتنا به (فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا) لا نتعدّاه، لنجيء بسحر مثل الذي جئت به، فننظر أينا يغلب صاحبه، لا نخلف ذلك الموعد (نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى) يقول: بمكان عدل بيننا وبينك ونَصَف.
وقد اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والبصرة وبعض الكوفيين (مَكانا سِوًى) بكسر السين، وقرأته عامة قراء الكوفة (مَكَانًا سُوًى) بضمها.
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا، أنهما لغتان، أعني الكسر والضم في السين من "سوى" مشهورتان في العرب، وقد قرأت بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، مع اتفاق معنييهما، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وللعرب في ذلك إذا كان بمعنى العدل والنصف لغة هي أشهر من الكسر والضم وهو الفتح، كما قال جلّ ثناؤه (تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) وإذا فتح السين منه مدّ، وإذا كسرت أو ضمت قصر، كما قال الشاعر:
| فإنَّ أبانا كانَ حَلَّ بِبَلْدَةٍ | سُوًى بينَ قَيْسٍ قَيْسَ عَيْلانَ والفِزْرِ (١) |