روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
﴿قَالَ﴾ استئناف وقع جواباً عما نشأ من حكاية ما سلف من اعتذار القوم بإسناد الفساد إلى السامري واعتذار هارون عليه السلام كأنه قيل : فماذا صنع موسى عليه السلام بعد سماع ما حكى من الاعتذارين واستقرار أصل الفتنة على السامري ؟ فقيل قال موبخاً له إذا كان الأمر هذا ﴿فَمَا خَطْبُكَ يا سامري﴾ أي ما شأنك والأمر العظيم الصادر عنك ؛ وما سؤال عن السبب الباعث لذلك، وتفسير الخطب بذلك هو المشهور، وفي «الصحاح » الخطب سبب الأمر.
وقال بعض الثقات : هو في الأصل مصدر خطب الأمر إذا طلبه فإذا قيل لمن يفعل شيئاً : ما خطبك ؟ فمعناه ما طلبك له وشاع في الشأن والأمر العظيم لأنه يطلب ويرغب فيه، واختير في الآية تفسيره بالأصل ليكون الكلام عليه أبلغ حيث لم يسأله عليه السلام عما صدر منه ولا عن سببه بل عن سبب طلبه، وجعل الراغب الأصل لهذا الشائع الخطب بمعنى التخاطب أي المراجعة في الكلام، وأطلق عليه لأن الأمر العظيم يكثر فيه التخاطب، وجعل في الأساس الخطب بمعنى الطلب مجازاً فقال : ومن المجاز فلان يخطب عمل كذا يطلبه وما خطبك ما شأنك الذي تخطبه، وفرق ابن عطية بين الخطب والشأن بأن الخطب يقتضي انتهاراً ويستعمل في المكاره دون الشأن ثم قال فكأنه قيل ما نحسك وما شؤمك وما هذا الخطب الذي جاء منك انتهى.
وليس ذلك بمطرد فقد قال إبراهيم عليه السلام للملائكة عليهم السلام :﴿فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون﴾ [الحجر: ٥٧] ولا يتأتى فيه ما ذكر.
وزعم بعض من جعل اشتقاقه من الخطاب أن المعنى ما حملك على أن خاطبت بني إسرائيل بما خاطبت.
وفعلت معهم ما فعلت وليس بشيء، وخطابه عليه السلام إياه بذلك ليظهر للناس بطلان كيده باعترافه ويفعل به وبما أخرجه ما يكون نكالاً للمفتونين ولمن خلفهم من الأمم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:ومن باب الإشارة :﴿وَأَضَلَّهُمُ السامري﴾ [طه: ٨٥] صار سبب ضلالهم بما صنع قال بعض أهل التأويل : إنما ابتلاهم الله تعالى بما ابتلاهم ليتميز منهم المستعد القابل للكمال بالتجريد من القاصر الاستعداد المنغمس في المواد الذي لا يدرك إلا المحسوس ولا يتنبه للمجرد المعقول. ولهذا قالوا :﴿مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ [طه: ٨٧] أي برأينا فإنهم عبيد بالطبع لا رأي لهم ولا ملكة وليسوا مختارين لا طريق لهم إلا التقليد والعمل لا التحقيق والعلم وإنما استعبدهم السامري بالطلسم المفرغ من الحلي لرسوخ محبة الذهب في نفوسهم لأنها سفلية منجذبة إلى الطبيعة الجسمانية وتزين الطبيعة الذهبية وتحلى تلك الصورة النوعية فيها للتناسب الطبيعي وكان ذلك من باب مزج القوى السماوية التي هي أثر النفس الحيوانية الكلية السماوية المشار إليها بحيزوم وفرس الحياة وهي مركب جبريل عليه السلام المشار به إلى العقل الفعال بالقوى الأرضية ولذلك قال :﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ﴾ [طه: ٩٦] أي من العلم الطبيعي والرياضي اللذين يبتني عليهما علم الطلسمات والسيمياء.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى