مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
ثم بين الله ما جرى منهم وعليهم مثل ما جرى من محمد ﷺ وعليه فقالوا :﴿إنا إليكم مرسلون﴾ كما قال :﴿إنك لمن المرسلين﴾ [يس: ٣] وبين ما قال القوم بقوله :﴿قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء﴾ جعلوا كونهم بشرا مثلهم دليلا على عدم الإرسال، وهذا عام من المشركين قالوا في حق محمد :﴿أأنزل عليه الذكر﴾ [ص: ٨] وإنما ظنوه دليلا بناء على أنهم لم يعتقدوا في الله الاختيار، وإنما قالوا فيه إنه موجب بالذات وقد استوينا في البشرية فلا يمكن الرجحان، والله تعالى رد عليهم قولهم بقوله :﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ وبقوله :﴿الله يجتبي إليه من يشاء﴾ إلى غير ذلك، وقوله :﴿وما أنزل الرحمن من شيء﴾ يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون متمما لما ذكروه فيكون الكل شبهة واحدة، ووجهه هو أنهم قالوا أنتم بشر فما نزلتم من عند الله وما أنزل الله إليكم أحدا، فكيف صرتم رسلا لله ؟ ثانيهما : أن يكون هذا شبهة أخرى مستقلة ووجهه هو أنهم لما قالوا أنتم بشر مثلنا فلا يجوز رجحانكم علينا ذكروا الشبهة من جهة النظر إلى المرسلين، ثم قالوا شبهة أخرى من جهة المرسل، وهو أنه تعالى ليس بمنزل شيئا في هذا العالم، فإن تصرفه في العالم العلوي وللعلويات التصرف في السفليات على مذهبهم، فالله تعالى لم ينزل شيئا من الأشياء في الدنيا فكيف أنزل إليكم، وقوله :﴿الرحمن﴾ إشارة إلى الرد عليهم، لأن الله لما كان رحمن الدنيا والإرسال رحمة، فكيف لا ينزل رحمته وهو رحمن، فقال إنهم قالوا : ما أنزل الرحمن شيئا، وكيف لا ينزل الرحمن مع كونه رحمن شيئا، هو الرحمة الكاملة.
ثم قال تعالى :﴿إن أنتم إلا تكذبون﴾ أي ما أنتم إلا كاذبين.
ثم قال تعالى :﴿إن أنتم إلا تكذبون﴾ أي ما أنتم إلا كاذبين.