محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٥ من سورة يس في ٨٩ كتابًا من كتب التفسير، وإعرابها، و٥ أقوال من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٥ من سورة يس

٨٩ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مّثْلُنَا وَمَآ أَنَزلَ الرّحْمََنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاّ تَكْذِبُونَ * قَالُواْ رَبّنَا يَعْلَمُ إِنّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَآ إِلاّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ﴾.
يقول تعالى ذكره : قال أصحاب القرية للثلاثة الذين أُرسلوا إليهم حين أخبروهم أنهم أرسلوا إليهم بما أرسلوا به : ما أنتم أيها القوم إلاّ أُناس مثلنا، ولو كنتم رسلاً كما تقولون، لكنتم ملائكة وَما أنْزَلَ الرّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ يقول : قالوا : وما أنزل الرحمن إليكم من رسالة ولا كتاب ولا أمركم فينا بشيء إنْ أنْتُمْ إلاّ تَكْذِبُونَ في قيلكم إنكم إلينا مرسلون
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، قوله (فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ) قال: شددنا.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بَزَّة، عن مجاهد في قوله (فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ) قال: زدنا.
حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ) قال: جعلناهم ثلاثة، قال: ذلك التعزز، قال: والتعزز: القوة.
وقوله (فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ) يقول: فقال المرسلون الثلاثة لأصحاب القرية: إنَّا إليكم أيها القوم مرسلون، بأن تُخْلِصوا العبادة لله وحده، لا شريك له، وتتبرءوا مما تعبدون من الآلهة والأصنام.
وبالتشديد في قوله (فَعَزَّزْنَا) قرأت القراء سوى عاصم، فإنه قرأه بالتخفيف، والقراءة عندنا بالتشديد، لإجماع الحجة من القراء عليه، وأن معناه، إذا شُدد: فقوينا، وإذا خُفف: فغلبنا، وليس لغلبنا في هذا الموضع كثير معنى.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنزلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا تَكْذِبُونَ (١٥) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَيْنَا إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٧)﴾
يقول تعالى ذكره: قال أصحاب القرية للثلاثة الذين أرسلوا إليهم حين أخبروهم أنهم أرسلوا إليهم بما أرسلوا به: ما أنتم أيها القوم إلا أُناس مثلنا، ولو كنتم رسلا كما تقولون، لكنتم ملائكة (وَمَا أَنزلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ) يقول: قالوا:

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيِّ عَنْ إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كَانَتْ الْأَنْصَارُ بَعِيدَةً مَنَازِلُهُمْ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَأَرَادُوا أَنْ يَتَحَوَّلُوا إِلَى الْمَسْجِدِ، فَنَزَلَتْ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ فَثَبَتُوا فِي مَنَازِلِهِمْ.
[الْحَدِيثُ الرَّابِعُ] قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «١» : حَدَّثَنَا حَسَنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنِي حُيَيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: توفي رجل في المدينة فَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَقَالَ «يَا لَيْتَهُ مَاتَ فِي غَيْرِ مَوْلِدِهِ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ النَّاسِ:
وَلِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا تُوُفِّيَ فِي غَيْرِ مَوْلِدِهِ، قِيسَ لَهُ مِنْ مَوْلِدِهِ إِلَى مُنْقَطِعِ أَثَرِهِ فِي الْجَنَّةِ» «٢»، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ حَرْمَلَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ حُيَيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا أبو نميلة، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: مَشَيْتُ مَعَ أنس رضي الله عنه فَأَسْرَعْتُ الْمَشْيَ فَأَخَذَ بِيَدِي فَمَشَيْنَا رُوَيْدًا، فَلَمَّا قَضَيْنَا الصَّلَاةَ قَالَ أَنَسٌ: مَشَيْتُ مَعَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَأَسْرَعْتُ الْمَشْيَ، فَقَالَ:
يَا أَنَسُ أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ الْآثَارَ تُكْتَبُ؟ وَهَذَا الْقَوْلُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَوَّلِ، بَلْ فِي هَذَا تَنْبِيهٌ وَدَلَالَةٌ عَلَى ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْآثَارُ تُكْتَبُ، فَلَأَنْ تُكْتَبَ تِلْكَ الَّتِي فِيهَا قُدْوَةٌ بِهِمْ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَاللَّهُ أعلم.
وقوله تَعَالَى: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ أَيْ وجميع الْكَائِنَاتِ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابٍ مَسْطُورٍ مَضْبُوطٍ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ، وَالْإِمَامُ الْمُبِينُ هَاهُنَا هُوَ أُمُّ الْكِتَابِ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَكَذَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ [الْإِسْرَاءِ: ٧١] أَيْ بِكِتَابِ أَعْمَالِهِمِ الشَّاهِدِ عَلَيْهِمْ بِمَا عَمِلُوهُ مِنْ خير أو شر، كما قال عز وجل:
وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ [الزُّمَرِ: ٦٩] وَقَالَ تَعَالَى: وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لَا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [الكهف: ٤٩].

[سورة يس (٣٦) : الآيات ١٣ الى ١٧]

وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قالُوا مَا أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ (١٥) قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٧)
ويقول تَعَالَى: وَاضْرِبْ يَا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ الَّذِينَ كَذَّبُوكَ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِيمَا بَلَغَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما وكعب الأحبار ووهب بن
(١) المسند ٢/ ٧٧.
(٢) أخرجه النسائي في الجنائز باب ٨، وابن ماجة في الجنائز باب ٦١.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
فأجابوهم بالجواب الذي ما زال مشهورا عند من رد دعوة الرسل : ف ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ أي : فما الذي فضلكم علينا وخصكم من دوننا ؟ قالت الرسل لأممهم :﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾
﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي : أنكروا عموم الرسالة، ثم أنكروا أيضا المخاطبين لهم، فقالوا :﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٣ - ٣٠} ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ إلى آخر القصة.
أي: واضرب لهؤلاء المكذبين برسالتك، الرادين لدعوتك، مثلا يعتبرون به، ويكون لهم موعظة إن وفقوا للخير، وذلك المثل: أصحاب القرية، وما جرى منهم من التكذيب لرسل الله، وما جرى عليهم من عقوبته ونكاله.
وتعيين تلك القرية، لو كان فيه فائدة، لعينها الله، فالتعرض لذلك وما أشبهه من باب التكلف والتكلم بلا علم، ولهذا إذا تكلم أحد في مثل هذا تجد عنده من الخبط والخلط والاختلاف الذي لا يستقر له قرار، ما تعرف به أن طريق العلم الصحيح، الوقوف مع الحقائق، وترك التعرض لما لا فائدة فيه، وبذلك تزكو النفس، ويزيد العلم، من حيث يظن الجاهل أن زيادته بذكر الأقوال التي لا دليل عليها، ولا حجة عليها ولا يحصل منها من الفائدة إلا تشويش الذهن واعتياد الأمور المشكوك فيها.
والشاهد أن هذه القرية جعلها الله مثلا للمخاطبين. ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ -[٦٩٤]- من الله تعالى يأمرونهم بعبادة الله وحده، وإخلاص الدين له، وينهونهم عن الشرك والمعاصي.
﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ أي: قويناهما بثالث، فصاروا ثلاثة رسل، اعتناء من الله بهم، وإقامة للحجة بتوالي الرسل إليهم، ﴿فَقَالُوا﴾ لهم: ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ فأجابوهم بالجواب الذي ما زال مشهورا عند من رد دعوة الرسل: فـ ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ أي: فما الذي فضلكم علينا وخصكم من دوننا؟ قالت الرسل لأممهم: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾
﴿وَمَا أَنزلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: أنكروا عموم الرسالة، ثم أنكروا أيضا المخاطبين لهم، فقالوا: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلا تَكْذِبُونَ﴾
فقالت هؤلاء الرسل الثلاثة: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ فلو كنا كاذبين، لأظهر الله (١) خزينا، ولبادرنا بالعقوبة.
﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ أي: البلاغ المبين الذي يحصل به توضيح الأمور المطلوب بيانها، وما عدا هذا من آيات الاقتراح، ومن سرعة العذاب، فليس إلينا، وإنما وظيفتنا -التي هي البلاغ المبين- قمنا بها، وبيناها لكم، فإن اهتديتم، فهو حظكم وتوفيقكم، وإن ضللتم، فليس لنا من الأمر شيء.
فقال أصحاب القرية لرسلهم: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ أي: لم نر على قدومكم علينا واتصالكم بنا إلا الشر، وهذا من أعجب العجائب، أن يجعل من قدم عليهم بأجل نعمة ينعم الله بها على العباد، وأجل كرامة يكرمهم بها، وضرورتهم إليها فوق كل ضرورة، قد قدم بحالة شر، زادت على الشر الذي هم عليه، واس تشأموا بها، ولكن الخذلان وعدم التوفيق، يصنع بصاحبه أعظم مما (٢) يصنع به عدوه.
ثم توعدوهم فقالوا: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ أي: نقتلنكم رجما بالحجارة أشنع القتلات ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
فقالت لهم رسلهم: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ وهو ما معهم من الشرك والشر، المقتضي لوقوع المكروه والنقمة، وارتفاع المحبوب والنعمة. ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ أي: بسبب أنا ذكرناكم ما فيه صلاحكم وحظكم، قلتم لنا ما قلتم.
﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ متجاوزون للحد، متجرمون في قولكم، فلم يزدهم [دعاؤهم] إلا نفورا واستكبارا.
﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ حرصا على نصح قومه حين سمع ما دعت إليه الرسل وآمن به، وعلم ما رد به قومه عليهم فقال [لهم] :﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ فأمرهم باتباعهم ونصحهم على ذلك، وشهد لهم بالرسالة، ثم ذكر تأييدا لما شهد به ودعا إليه، فقال: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾ أي: اتبعوا من نصحكم نصحا يعود إليكم بالخير، وليس [يريد منكم أموالكم ولا أجرا على نصحه لكم وإرشاده إياكم، فهذا موجب لاتباع من هذا وصفه.
بقي] أن يقال: فلعله يدعو ولا يأخذ أجرة، ولكنه ليس على الحق، فدفع هذا الاحتراز بقوله: ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ لأنهم لا يدعون إلا لما يشهد العقل الصحيح بحسنه، ولا ينهون إلا بما يشهد العقل الصحيح بقبحه.
فكأن قومه لم يقبلوا نصحه، بل عادوا لائمين له على اتباع الرسل، وإخلاص الدين لله وحده، فقال: ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: وما المانع لي من عبادة من هو المستحق للعبادة، لأنه الذي فطرني، وخلقني، ورزقني، وإليه مآل جميع الخلق، فيجازيهم بأعمالهم، فالذي بيده الخلق والرزق، والحكم بين العباد، في الدنيا والآخرة، هو الذي يستحق أن يعبد، ويثنى عليه ويمجد، دون من لا يملك نفعا ولا ضرا، ولا عطاء ولا منعا، ولا حياة ولا موتا ولا نشورا، ولهذا قال: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ﴾ لأنه لا أحد يشفع عند الله إلا بإذنه، فلا تغني شفاعتهم عني شيئا، وَلا هُمْ يُنْقذون من الضر الذي أراده الله بي.
﴿إِنِّي إِذًا﴾ أي: إن عبدت آلهة هذا وصفها ﴿لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ فجمع في هذا الكلام، بين نصحهم، والشهادة للرسل بالرسالة، والاهتداء والإخبار بِتعيُّن (٣) عبادة الله وحده، وذكر الأدلة عليها، وأن عبادة غيره باطلة، وذكر البراهين عليها، والإخبار بضلال من عبدها، والإعلان بإيمانه جهرا، مع خوفه الشديد من قتلهم، فقال: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ فقتله قومه، لما سمعوا منه وراجعهم بما راجعهم به.
فـ ﴿قِيلَ﴾ له في الحال: ﴿ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ فقال مخبرا بما وصل إليه من الكرامة على توحيده وإخلاصه، وناصحا لقومه بعد وفاته، كما نصح لهم في حياته: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ أي: بأي: شيء غفر لي، فأزال عني أنواع العقوبات، ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ -[٦٩٥]- بأنواع المثوبات والمسرات، أي: لو وصل علم ذلك إلى قلوبهم، لم يقيموا على شركهم.
(١) كذا في ب، وفي أ: لظهر خزينا.
(٢) كذا في ب، وفي أ: ما.
(٣) كذا في ب، وفي أ: بتعيين.
قال الله في عقوبة قومه: [ ﴿وَمَا أَنزلْنَا عَلَى قَوْمِهِ] مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: ما احتجنا أن نتكلف في عقوبتهم، فننزل جندا من السماء لإتلافهم، ﴿وَمَا كُنَّا مُنزلِينَ﴾ لعدم الحاجة إلى ذلك، وعظمة اقتدار الله تعالى، وشدة ضعف بني آدم، وأنهم أدنى شيء يصيبهم من عذاب الله يكفيهم ﴿إِنْ كَانَتْ﴾ أي: كانت عقوبتهم ﴿إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ أي: صوتا واحدا، تكلم به بعض ملائكة الله، ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ قد تقطعت قلوبهم في أجوافهم، وانزعجوا لتلك الصيحة، فأصبحوا خامدين، لا صوت ولا حركة، ولا حياة بعد ذلك العتو والاستكبار، ومقابلة أشرف الخلق بذلك الكلام القبيح، وتجبرهم عليهم.
قال الله متوجعا للعباد: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: ما أعظم شقاءهم، وأطول عناءهم، وأشد جهلهم، حيث كانوا بهذه الصفة القبيحة، التي هي سبب لكل شقاء وعذاب ونكال"
جميع كتب التفسير لهذه الآية (٨٩ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير يحيى بن سلام — يحيى بن سلام غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — المراغي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — دروزة التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

إعراب الآية ١٥ من سورة يس

من كتاب: إعراب القرآن

[سورة يس (٣٦) : آية ١٤]

إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤)
إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ وقرأ عاصم فَعَزَّزْنا «١» وربما غلط في هذا بعض الناس فتوهّم أنه من عز يعزّ، وليس منه إنما هو من قول العرب: عازّني فلان فعززته أعزّه أي غلبته وقهرته وله نظائر في كلامهم، وتأول الفراء «٢» فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ أنّ الثالث أرسل قبل الاثنين وأنه شمعون وإنّ معنى فعزّزنا به أنّه غلبهم.
والظاهر يدلّ على خلاف ما قال، ولو كان كما قال لكان الأولى في كلام العرب أن يقال: بالثالث إذ كان قد أرسل قبل، كما يقال: في أول الكتاب سلام عليك وفي آخره والسلام، وكما يقال: مررت برجل من قصّته كذا فقلت للرّجل.

[سورة يس (٣٦) : آية ١٥]

قالُوا ما أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ (١٥)
قالُوا ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا مبتدأ وخبره.

[سورة يس (٣٦) : آية ١٨]

قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨)
قال الفراء: لَنَرْجُمَنَّكُمْ أي لنقتلنّكم قال: وعامة ما في القرآن من الرجم معناه القتل.

[سورة يس (٣٦) : آية ١٩]

قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩)
قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ فيه سبعة أوجه من القراءات «٣» : قرأ أهل المدينة أين ذكرتم بتخفيف الهمزة الثانية، وقرأ أهل الكوفة أَإِنْ بتحقيق الهمزتين، والوجه الثالث أاإن بهمزتين بينهما ألف، أدخلت الألف كراهة للجمع بين الهمزتين، والوجه الرابع أاإن بهمزة بعدها ألف وبعد الألف همزة مخففة، والقراءة الخامسة أان ذكرتم بهمزتين إلا أنّ الثانية همزة مخففة، والوجه السادس أأن بهمزتين محققتين مفتوحتين. حكى الفراء «٤» : أنّ هذه قراءة أبي رزين. وقرأ عيسى بن عمر والحسن البصري قالوا طائركم معكم أين ذكّرتم بمعنى حيث والمعنى: أين ذكّرتم تطيّركم معكم. ومعنى أأن ألأن، وقرأ يزيد بن القعقاع والحسن وطلحة ذكرتم «٥»
(١) انظر تيسير الداني ١٤٩، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٣٩.
(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٧٣.
(٣) انظر القراءات في البحر المحيط ٧/ ٣١٤، ومختصر ابن خالويه ١٢٥، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٤٠.
(٤) انظر معاني الفراء ٢/ ٣٧٤. [.....]
(٥) انظر المحتسب ٢/ ٢٠٥، والبحر المحيط ٧/ ٣١٤.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

الموضوعات القرآنية للآية ١٥ من سورة يس

٨ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٥ أقوال من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٥ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس، وكعب الأحبار، ووهب بن مُنَبِّه -من طريق ابن إسحاق- قال: ﴿واضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أصْحابَ القَرْيَةِ﴾ كان بمدينة أنطاكية فرعونٌ مِن الفراعنة، يُقال له: أبطيحس بن أبطيحس، يعبدُ الأصنام، صاحبُ شِرْك، فبعث الله المرسلين، وهم ثلاثة: صادق، ومصدوق، وشلوم، فقدم إليه وإلى أهل مدينته منهم اثنين، فكذّبوهما، ثم عزّز الله بثالث، فلما دعته الرسل، ونادته بأمر الله، وصدعت بالذي أمرت به، وعابت دينه، وما هم عليه؛ قال لهم: ﴿إنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ ولَيَمَسَّنَّكُمْ مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ (١٨)﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٩/ ٤١٤.
٢
عن أبي العالية الرياحي في قوله: ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ﴾ قال: لكي تكون عليهم الحجة أشد، فأتوا أهل القرية، فدعَوهم إلى الله وحده وعبادته لا شريك له، فكذَّبوهم١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٣
قال وهب بن مُنَبِّه: ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ﴾ بعث عيسى هذين الرجلين إلى أنطاكية، فأتياها، فلم يصِلا إلى مَلِكها، وطال مدة مقامهما، فخرج الملِك ذات يوم، فكبَّرا وذكرا الله، فغضب الملك، وأمر بهما، فحُبِسا، وجُلد كل واحد منهما مائة جلدة، قالوا: فلما كُذِّب الرسولان وضُربا بعث عيسى رأسَ الحواريين شمعون الصفا على إثرهما؛ لينصرهما، فدخل شمعون البلد مُتَنَكِّرًا، فجعل يُعاشِر حاشية الملك حتى أنِسوا به، فرفعوا خبره إلى الملك، فدعاه، فرضي عشرته، وأنِس به، وأكرمه، ثم قال له ذات يوم: أيها الملك، بلغني أنّك حبست رجلين في السجن وضربتهما حين دعواك إلى غير دينك، فهل كلَّمتهما وسمعت قولهما؟ فقال الملك: حال الغضب بيني وبين ذلك. قال: فإن رأى الملكُ دعاهما حتى نطَّلع على ما عندهما. فدعاهما الملك، فقال لهما شمعون: مَن أرسلكما إلى هاهنا؟ قالا: اللهُ الذي خلق كل شيء، وليس له شريك. فقال لهما شمعون: فصِفاه، وأَوْجِزا. فقالا: إنّه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. فقال شمعون: وما آيتكما؟ قالا: ما تتمنّاه. فأمر الملك حتى جاؤوا بغلام مطموس العينين وموضع عينيه كالجبهة، فما زالا يدعوان ربَّهما حتى انشق موضع البصر، فأخذا بندقتين من الطين، فوضعاهما في حدقتيه، فصارتا مُقلتين يُبصِر بهما، فتعجب الملك، فقال شمعون للملك: إن أنتَ سألت إلهك حتى يصنع صنعًا مثل هذا، فيكون لك الشرف ولإلهك. فقال الملك: ليس لي عنك سِرٌّ، إن إلهنا الذي نعبده لا يسمع ولا يبصر، ولا يضر ولا ينفع. وكان شمعون إذا دخل الملِك على الصنم يدخل بدخوله، ويصلي كثيرًا، ويتضرع، حتى ظنوا أنه على ملتهم. فقال الملِك للرسولين: إن قدر إلهكم الذي تعبدانه على إحياء ميِّتٍ آمنّا به وبكما. قالا: إلهنا قادِرٌ على كل شيء. فقال الملك: إنّ هاهنا ميتًا مات منذ سبعة أيام، ابنٌ لِدَهقان، وأنا أخَّرته فلم أدفنه حتى يرجع أبوه، وكان غائبًا. فجاءوا بالميت، وقد تغيَّر وأَرْوَحَ، فجعلا يدعوان ربَّهما علانيةً، وجعل شمعون يدعو ربَّه سِرًّا، فقام الميت، وقال: إنِّي قد مِتُّ منذ سبعة أيام مشركًا، فأُدخلت في سبعة أودية مِن النار، وأنا أحذِّركم ما أنتم فيه؛ فآمنوا بالله. ثم قال: فُتحتْ لي أبواب السماء، فنظرتُ فرأيتُ شابًّا حَسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة. قال الملك: ومَن الثلاثة؟ قال: شمعون وهذان. وأشار إلى صاحبيه، فتعجب الملك، فلما علم شمعون أن قوله أثَّر في الملك أخبره بالحال، ودعاه، فآمن الملك، وآمن قوم، وكفر آخرون. وقيل: إنّ ابنةً للملك كانت قد تُوفيت ودُفنت. فقال شمعون للملك: اطلب من هذين الرجلين أن يُحْيِيا ابنتك. فطلب منهما الملك ذلك، فقاما وصليا ودعوا وشمعون معهما في السر، فأحيا الله المرأةَ، وانشق القبرُ عنها، فخرجت، وقالت: أسلِموا؛ فإنهما صادقان. قالت: ولا أظنكم تُسلمون. ثم طلبت مِن الرسولين أن يرداها إلى مكانها، فذرّا ترابًا على رأسها، وعادت إلى قبرها كما كانت١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٨‏/‏١٢٤-١٢٥، وتفسير البغوي ٧‏/‏١١-١٢.
٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَقالُوا إنّا إلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ فكذّبوهما، ولو فعلتُ ذلك بكم -يا أهل مكة- لكذّبتم، فقال شمعون للملك: أشهدُ أنهما رسولان أرسلهما ربُّك الذي في السماء. فقال الملك لشمعون: أخبِرني بعلامة ذلك. فقال شمعون: إنّ ربي أمرني أن أبعث لك ابنتك. فذهبوا إلى قبرها، فضرب القبر برجله، فقال: قومي بإذن إلهنا الذي في السماء، الذي أرسلنا إلى هذه القرية، واشهدي لنا على والدك. فخرجت الجارية مِن قبرها، فعرفوها، فقالت: يا أهل القرية، آمِنوا بهؤلاء الرسل، وإني أشهد أنهم أُرسلوا إليكم، فإن سلَّمتم يغفر لكم ربكم، وإن أبيتم ينتقم الله منكم. ثم قالت لشمعون: رُدَّني إلى مكاني، فإن القوم لن يؤمنوا لكم. فأخذ شمعون قبضةً مِن تراب قبرها، فوضعها علي رأسها، ثم قال: عودي مكانكِ. فعادت، فلم يؤمن منهم غيرُ حبيب النجار، كان من بني إسرائيل، وذلك أنه حين سمع بالرسل جاء مسرعًا، فآمن وترك عمله، وكان قبل إيمانه مشركًا. ﴿قالوا﴾ فقال القوم للرسل: ﴿ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وما أنْزَلَ الرَّحْمنُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلّا تَكْذِبُونَ﴾ وكان فِعل شمعون من الحواريين، فقال شمعون: ﴿إنّا إلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ أرسَلنا إليكم ربكم الذي في السماء. ﴿ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ ما نرى لكم علينا من فضل في شيء، ﴿وما أنْزَلَ الرَّحْمنُ مِن شَيْءٍ﴾ وما أرسل الرحمن من أحد، يعني: لم يرسل رسولًا. ﴿قالُوا﴾ فقالت الرسل: ﴿رَبُّنا يَعْلَمُ إنّا إلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ فإن كذبتمونا ﴿وما عَلَيْنا إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ما علينا إلا أن نبلغ، ونعلمكم، ونبيّن لكم: أنّ الله واحد لا شريك١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٥٧٦.
٥
قال يحيى بن سلّام: ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ﴾ أنه أُرسل إليهما نبيان، فقتلوهما، ثم أرسل الله إليهم الثالث ﴿فَقالُوا﴾ يعني: الأولين قبل الثالث، والثالث بعدهما، ﴿إنّا إلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾. ﴿قالُوا ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ وجحدوا أنهم رسل١
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلام ٢‏/‏٨٠٣.
التفسير بالمأثور لسورة يس كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٥ من سورة يس

٤ وقفات في هذه الآية

  • آية (91): *لم قال تعالى فى يس (وما أنزل الرحمن من شيء) فأسند الفعل إلى الرحمن وقال في سورة الملك (وقلنا ما نزل الله من شيء (9) الملك) وفي سورة الأنعام (وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء (91) الأنعام) بإسناد الفعل إلى الله؟(د.فاضل السامرائي) إن كل تعبير هو الأنسب في مكانه. فأما في سورة الملك فإنه يشيع فيها ذكر العذاب ومعاقبة الكفار فقد ذكر فيها مشهداً من مشاهد الذين كفروا في النار وسؤالهم عن النذر التي جاءتهم وذلك قوله (وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (5) وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (6) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (9) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (11)) ثم حذر عباده من عقوبته وبطشه في الدنيا وألا يأمنوا عذابه من فوقهم أو من تحت أرجلهم وأن يعتبروا بما فعله ربنا مع الأقوام الهالكة (أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (17) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (18)) ثم حذرهم مرة أخرى وهددهم بقوله (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (20) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (21)) وعاد مرة أخرى فذكر إنكار الكفار ليوم النشور واستبعادهم له وحذرهم من عقوبات رب العالمين في الدنيا والآخرة فقال (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (26) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (27) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (28) قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (29) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (30)) وإزاء كل هذا التحذير والتخويف وذكر مشاهد العذاب لم يذكر بخصوص المؤمنين وجزائهم إلا آية واحدة وهي قوله (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12)) فلا يناسب إزاء كل هذا التهديد والتحذير للكافرين وما أعده الله لعذابهم في جهنم أن يقرنه باسم الرحمن. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى أن القائلين لهذا القول إنما هم في أطباق النيران وأنهم ألقوا فيها فوجاً بعد فوج وقد اشتد غضب الله عليهم ولم تدركهم رحمته فلا يناسب ذكر الرحمن هنا أيضاً. ثم إن الله جعل العذاب بمقابل الرحمة فقال (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50) الحجر) ولما كان المشهد مشهد العذاب كان ذلك في مقابل الرحمة فلا يناسب هذا العذاب ذكر الرحمة وبخاصة أن هؤلاء كفروا بربهم فلا ترجى لهم رحمة ولا ينالهم من إسم الرحمن نصيب. ومن ناحية أخرى إن القائلين في سورة يس إنما هم في الدنيا وهم يتقلبون في نِعم الله ورحمته أما القائلون في سورة الملك فإنما هم في جهنم وقد يئسوا من رحمته سبحانه فناسب كل تعبير موطنه. وأما سورة الأنعام فإنها يشيع فيها التحذير والتهديد والتوعد وليس فيها مشهد من مشاهد الجنة وإنما فيها صور غير قليلة من مشاهد النار. كما أن السورة لم يرد فيها إسم (الرحمن) على طولها في حين ورد فيها إسم (الله) تعالى (87) سبعاً وثماني مرة فناسب كل تعبير مكانه.

    — فاضل السامرائي

  • برنامج لمسات بيانية آية (15): (قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15)) فكرة عامة عن الآية: (قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا) أي كيف اختصكم الله بالوحي دوننا ونحن بشر وأنتم بشر؟ وفي هذا القول تكذيب لهم وإنكار للنبوات على العموم وقد فصل ما تضمنته هذه العبارة من تكذيب للمرسلين وإنكار للنبوات بقوله بعد (ما أنزل الرحمن من شيء) فإن هذا القول يعني إنكار النبوات وبقوله (إن أنتم إلا تكذبون) تكذيب لهم خاصة. فذكر الأمر العام الذي يتضمن الأمرين ثم ذكر كل أمر مما تضمنته العبارة وهذا الإنكار شأن كثير من الأمم السالفة فإنهم أنكروا أن ينزل الله على بشر من شيء، جاء في تفسير ابن كثير في قوله (ما أنتم إلا بشر مثلنا) :"أي فكيف أوحي إليكم وأنتم بشرو ونحن بشر فلم لا أوحي إلينا مثلكم؟ ولو كنتم رسلاً لكنتم ملائكة. وهذه شبهة كثيرة في الأمم المكذبة كما أخبر الله تعالى عنهم في قوله عز وجل (ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا) أي استعجبوا من ذلك وأنكروه وقوله تعالى (قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فائتونا بسلطان مبين) وقوله تعالى حكاية عنهم في قوله عز وجل (ولئن أطعتم بشراً مثلكم إنكم إذا لخاسرون ) وقوله تعالى (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشراً رسولاً )". وقد تقول ولم لم يكتف بقوله (ما أنتم مثلنا) وقد ذكرت أنه يتضمن معنى ما بعده؟ والجواب أنه ليس المقصود من قولهم هذا إثبات بشرية الرسل فإن هذا لم ينازعهم فيه أحد وإنما المقصود إنكار النبوات وتكذيبهم فأوضحوا المقصود وأبانوا عن معتقدهم. ودفعا لحجة الرسل الذين سيحتجون عليهم بقولهم: نعم نحن بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده فيختصه بالرسالة وإن كوننا بشراً لا يمنع من أن يوحي إلينا ربنا وما إلى ذلك من الحجج التي تبين أنه لا مانع من أن يكون البشر رسولاً وأنه لو أرسل ربنا ملكاً لجعله رجلاً ولالتبس عليهم الأمر أيضاً فأبانوا عن معتقدهم بقولهم (وما أنزل الرحمن من شيء) ثم بينوا رأيهم في هؤلاء الرسل فقالوا (إن أنتم إلا تكذبون). وهذه العبارة الأخيرة تعني تكذيب الرسل وعدم الإيمان لهم حتى لو كان الرحمن أنزل شيئاً لأنهم كاذبون فيما يرون. (وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ) : هذا القول يعني أنهم يؤمنون بالله وينكرون النبوات وهذا شأن كثير من المجتمعات البشرية التي حكى عنها في القرآن نحو قوله (ولو شاء ربنا لأنزل ملائكة) وقوله (أبعث الله وبشراً رسولا) ومثلهم قوم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم يؤمنون بالله وينكرون النبوات. قال تعالى (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله (61) العنكبوت). وقال (وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا بشر مثلكم (3) الأنبياء) وقال (بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب (2) ق). جاء في روح المعاني :" وظاهر هذا القول يقتضي إقرارهم بالألوهية لكنهم ينكرون الرسالة ويتوسلون بالأصنام". قال الفخر الرازي : "وقوله (الرحمن) إشارة إلى الرد عليهم لأن الله لما كان رحمن الدنيا والإرسال رحمة فكيف لا ينزل رحمته وهو رحمن؟ فقال إنهم قالوا: ما أنزل الرحمن شيئاً وكيف لا ينزل الرحمن مع كونه رحمن شيئاً هو الرحمة الكاملة؟". *هنا قال (وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ) هل (ما) هنا نافية؟ أن الله ما نزّل شيئاً؟ نعم. (من شيء) أصلاً.هذه تفيد التوكيد وتسمى (من) الاستغراقية، * ألا يمكن قول ما أنزل الرحمن شيئاً؟ (من شيء) آكد وأبلغ واستغراق أبداً مطلقاً لا هذا ولا سابقاً. *لم قال ههنا (وما أنزل الرحمن من شيء) فأسند الفعل إلى الرحمن وقال في سورة الملك (وقلنا ما نزل الله من شيء (9) الملك). وفي سورة الأنعام (وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء (91) الأنعام) بإسناد الفعل إلى الله؟ نقول إن كل تعبير هو الأنسب في مكانه. فأما في سورة الملك فإنه يشيع فيها ذكر العذاب ومعاقبة الكفار فقد ذكر فيها مشهداً من مشاهد الذين كفروا في النار وسؤالهم عن النذر التي جاءتهم وذلك قوله (وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (5) وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (6) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (9) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (11)) ثم حذر عباده من عقوبته وبطشه في الدنيا وألا يأمنوا عذابه من فوقهم أو من تحت أرجلهم وأن يعتبروا بما فعله ربنا مع الأقوام الهالكة (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (17) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (18)) ثم حذرهم مرة أخرى وهددهم بقوله (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (20) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (21)) وعاد مرة أخرى فذكر إنكار الكفار ليوم النشور واستبعادهم له وحذرهم من عقوبات رب العالمين في الدنيا والآخرة فقال (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (26) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (27) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (28) قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (29) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (30)) وإزاء كل هذا التحذير والتخويف وذكر مشاهد العذاب لم يذكر بخصوص المؤمنين وجزائهم إلا آية واحدة وهي قوله (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12)) فلا يناسب إزاء كل هذا التهديد والتحذير للكافرين وما أعده الله لعذابهم في جهنم أن يقرنه باسم الرحمن. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى أن القائلين لهذا القول إنما هم في أطباق النيران وأنهم ألقوا فيها فوجاً بعد فوج وقد اشتد غضب الله عليهم ولم تدركهم رحمته فلا يناسب ذكر الرحمن هنا أيضاً. ثم إن الله جعل العذاب بمقابل الرحمة فقال (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50) الحجر) ولما كان المشهد مشهد العذاب كان ذلك في مقابل الرحمة فلا يناسب هذا العذاب ذكر الرحمة وبخاصة أن هؤلاء كفروا بربهم فلا ترجى لهم رحمة ولا ينالهم من إسم الرحمن نصيب. ومن ناحية أخرى إن القائلين في سورة يس إنما هم في الدنيا وهم يتقلبون في نِعم الله ورحمته أما القائلون في سورة الملك فإنما هم في جهنم وقد يئسوا من رحمته سبحانه فناسب كل تعبير موطنه. وأما سورة الأنعام فإنها يشيع فيها التحذير والتهديد والتوعد وليس فيها مشهد من مشاهد الجنة وإنما فيها صور غير قليلة من مشاهد النار. كما أن السورة لم يرد فيها إسم (الرحمن) على طولها في حين ورد فيها إسم (الله) تعالى (87) سبعاً وثماني مرة فناسب كل تعبير مكانه. (إن أنتم إلا تكذبون) * هنا يستقيم الرحمن مع الرسالة والرسول والإنذار؟ نعم، يستقيم. * إذن مسألة السياق أو السمت العام هذا شيء من الخطورة بمكان في فهم دلالة الكلمة لا ينبغي أن نفهمها معزولة وبالتالي من لم يفهم القرآن ما فهم السياق وما فهم الآيات بعضها على بعض؟ لا يمكن. * في قوله تبارك وتعالى (قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا (15) يس)، هنا في هذه الآية نفي وإثبات (ما وإلا) وفي آية أخرى يقول (إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ) النفي بـ (إن) والإثبات بـ (إلا) فلماذا الاختلاف وما الفرق؟ نحن عندنا أن (إن) أقوى من (ما) في النفي. النفي بعضه أقوى من بعض.لم يذهب ليست مثل ما ذهب، لم يكتب ليس مثل ما كتب لقد واجهوهم بالتكذيب صراحة بعد أن ذكروا ذلك ضمناً بقولهم (ما أنتم إلا بشر مثلنا) وقولهم (وما أنزل الرحمن من شيء) وكان النفي والإثبات بـ(ما) و(إلا) في قوله (قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا) وهنا بـ (إنْ) و(إلا) (إن أنتم إلا تكذبون). ذلك أن (إنْ) أقوى في النفي من (ما) فوضع كل حرف في الموضع الذي يقتضيه ذلك أن قولهم (ما أنتم إلا بشر مثلنا) غير منكور وهو معلوم للجميع. أما قولهم (إن أنتم إلا تكذبون) فهو موضوع النزاع فإنه الوصف الذي يلصقه أهل القرية بهم ويدفعه المرسلون عن أنفسهم فإن كونهم بشراً لا يحتاج إلى إثبات أو دليل بخلاف إثبات الكذب وأهل القرية لم يذكروا بشريتهم إلا ليصلوا إلى تكذيبهم فإن الغرض من قولهم (ما أنتم إلا بشر مثلنا) ليس إثبات البشرية لهم وإنما هو إثبات الكذب عليهم فناسب ذكر أقوى الحرفين فينا فيه قوة وإنكار ويحتاج إلى إثبات. * إذن النفي درجات؟ هم يقولون: لم يفعل نفي لفعل، وما فعل نفي لـ (لقد فعل) جواب قسم، ولمّا يفعل نفي لـ قد فعل. هذا ابتداء من سيبوبه في باب نفي الفعل. فالنفي بعضه أقوى من بعض. هذا قسم، القسم (وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) الأنعام) في القسم ننفي بـ(ما). فـ(إن) أقوى من (ما). عندنا أمرين (قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا) هل هذه فيها إشكال؟ هل الرسل ينكرون هذا الأمر؟ لا، تبقى المسألة (إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ) مسألة الكذب، أصلاً هم لما قال (مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا) يعني القصد منه التكذيب وليس القصد نفي البشرية لأنه لا أحد ينكرها. * وكأنه لا يتبادر إلى ذهن أحد أن الرسل قالوا إننا بشر أو إننا لسنا بشر؟ كأنهم ضمناً ينفون النبوة والرسالة والكذب. * مدار الكلام على قوله (مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا) لا عدم ولا إثبات وجود البشرية أو عدم وجودها؟ هم يريدون أن يخرجوا منها ضمناً إنكار الرسالة وتكذيب هؤلاء هذا صرّح به فيما بعد. (مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا) ماذا نفهم منا؟ إنكار النبوات ثم تكذيبهم هم على الخصوص. * لأنهم يحتملون ما تحتمله البشرية! هم كاذبون أصلاً، مدّعين أنهم رسل. أول مرة ضمناً ثم فصلوا هذا الأمر (وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ) هذا مما تضمنه (مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا).ثم فصّل (إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ)؟ لكن الآن فصّل. * يعني نستطيع أن نقول (مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا) هذه إجمال وما بعدها تفصيل؟ إذن هي المسألة (مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا) ليس فيها إشكال، هم بشر بالفعل لكن المسألة هي (إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ) تحتاج إلى قوة في النفي والإثبات. لاحظ (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) النجم) أول مرة قال (ما) (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) ثم قال (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى). (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) ممكن أن يكون الإنسان مخلصاً لكن هل هو وحي؟ وبالتالي ما قال (وما هو إلا وحي يوحى)، (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) هذا هو الأصل. لكن فلان لا ينطق عن هوى أقول عن أي واحد عام أنه ينطق عن هوى أي رجل مخلص صالح لكن ليس بالضرورة أن كل ما يقوله صحيح. فرق بين الإخلاص والصحة، هذا أمر، كونه مخلصاً لا يعني أنه يقول الصحيح.(وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) هذه هي المسألة الأساسية أنه وحي. * إذن المعول هنا على قوله (إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ) على كذبهم أنفسهم؟ الآن صار تكذيبهم هم مباشرة، أول مرة عام فجاء بالنفي الخفيف. * ومع الشدة؟ لمواجهتهم بالكذب (إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ).

    — فاضل السامرائي

  • (قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ9 (قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا أي فكيف اختصكم الله بالوحي دوننا، ونحن بشر وأنتم بشر؟ وفي هذا القول تكذيب لهم وإنكار للنبوات على العموم. وقد فصل ما تضمنته هذه العبارة من تكذيب للمرسلين وإنكار للنبوات بقوله بعد (وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ) فإن هذا القول يعني إنكار النبوات. وبقوله (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ) وهو تكذيب لهم خاصة. فذكر الأمر العام الذي يتضمن الأمرين، ثم ذكر كل أمر مما تضمنته العبارة. وهذا الإنكار شأن كثير من الأمم السابقة فإنهم أنكروا أن ينزل الله على بشر من شيء جاء في (تفسير ابن الكثير) في قوله مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا: أي فكيف أوحي إليكم وأنتم بشر ونحن بشر فلم لا أوحي إلينا مثلكم؟ ولو كنتم رسلاً لكنتم ملائكة. وهذه شبهة كثير من الأمم المكذبة كما أخبر الله تعالى عنهم في قوله عز وجل (ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا) أي استعجبوا من ذلك وأنكروه وقوله تعالى (قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ). وقوله تعالى حكاية عنهم في قوله جل وعلا (وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ )وقوله تعالى (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا() 1). وقد تقول: ولم لم يكتف بقوله (مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا) وقد ذكرت أنه يتضمن معنى ما بعده؟ والجواب أنه ليس المقصود من قولهم هذا إثبات بشرية الرسل ينازعهم فيه أحد وإنما المقصود إنكار النبوات وتكذيبهم فأوضحوا المقصود وأبانوا عن معتقداتهم. ودفعا لحجة الرسل الذين سيحتجون عليهم بقولهم: نعم نحن بشر مثلكم ولكن الله يمنّ على من يشاء من عباده فيختصه بالرسالة وإن كوننا بشراً لا يمنع من أن يوحى إلينا ربنا. وما إلى ذلك من الحجج التي تبين أنه لا مانع من أن يكون البشر رسولاً وأنه لو أرسل ربنا ملكاً لجعله رجلاً ولا لتبس عليهم الأمر أيضاً فأبانوا عن معتقداتهم بقولهم (وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ). ثم بينوا رأيهم في هؤلاء الرسل فقالوا: إن أنتم إلا تكذبون. وهذه العبارة الأخيرة تعني تكذيب الرسل وعدم الإيمان لهم حتى لو كان الرحمن أنزل شيئاً لأنهم كاذبون فيما يرون.   (وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ) هذا القول يعني أنهم يؤمنون بالله. وينكرون النبوات. وهذا شأن كثير من المجتمعات البشرية التي حكي عنها في القرآن نحو قوله (لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً) وقوله (أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا). ومثلهم قوم سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)فأنهم يؤمنون بالله وينكرون النبوات. قال تعالى ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) - العنكبوت (61). وقال (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) - الأنبياء (3). وقال: (بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ )- ق (2). جاء في (روح المعاني): "وظاهر هذا القول يقتضي إقرارهم بالألوهية لكنهم ينكرون الرسالة ويتوسلون بالأصنام(2). قال الفخر الرازي: "وقوله (الرحمن) إشارة إلى الرد عليهم. لأن الله لما كان رحمن الدنيا والإرسال رحمة فكيف لا ينزل رحمته وهو رحمن؟ فقال أنهم قالوا: ما أتزل الرحمن شيئاً. وكيف لا ينزل الرحمن مع كونه رحمن شيئاً هو الرحمة الكاملة"(3). وقد تقول: ولمن قال ههنا (وما أنزل الرحمن من شيء) فاسند الفعل إلى الرحمن وقال في سورة الملك (وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ) - الملك (9). وفي سورة الأنعام (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ) - الأنعام (91) بإسناد الفعل إلى الله؟ فنقول: إن كل تعبير هو الأنسب في مكانه. فأما سورة الملك فإنه يشيع فيها ذكر العذاب ومعاقبة الكفار فقد ذكر فيها مشهداً من مشاهد الذين كفروا في النار وسؤالهم عن النُذُر التي جاءتهم وذلك قوله (وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ) (5 – 11). ثم حذر عباده من عقوبته وبطشه في الدنيا وألا يأمنوا عذابه من فوقهم أو من تحت أرجلهم وأن يعتبروا بما فعله ربنا في الأقوام الهالكة (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ)  (16- 18). ثم حذرهم مرة أخرى وهددهم بقوله (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ)  (20، 21). وعاد مرة أخرى فذكر إنكار الكفار ليوم النشور واستبعادهم له وحذرهم من عقوبات رب العالمين في الدنيا والآخرة فقال (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ) وإزاء كل هذا التحذير والتخويف وذكر مشاهد العذاب لم يذكر بخصوص المؤمنين وجزاءهم إلا أية واحدة وهي قوله (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ)  - (12). فلا يناسب إزاء كل التهديد والتحذير للكافرين وما أعده الله لعذابهم في جهنم أن يقرئه باسم الرحمن. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن القائلين لهذا القول إنما هم في أطباق النيران وأنهم ألقوا فيها فوجاً بعد فوج وقد اشتد غضب الله عليهم ولم تدركهم رحمته فلا يناسب ذكر الرحمن هنا أيضاً. ثم أن الله جعل العذاب بمقابل الرحمة فقال (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ) - الحجر (49، 50) ولما كان المشهد مشهد العذاب كان ذلك في مقابل الرحمة فلا يناسب هذا العذاب ذكر الرحمة وبخاصة أن هؤلاء كفروا بربهم فلا ترجى لهم رحمة ولا ينالهم من اسم الرحمن نصيب. ومن ناحية أخرى إن القائلين في سورة يس إنما هم في الدنيا وهم يتقلبون في نعم الله ورحمته أما القائلون في سورة الملك فإنما هم في جهنم وقد ينسوا من رحمته سبحانه فناسب كل تعبير موطنه. وأما سورة الأنعام فإنها يشيع فيها التحذير والتهديد والتوعد وليس فيها مشهد من مشاهد الجنة وإنما فيها صور غير قليلة من مشاهد النار. كما أن السورة لم يرد فيها اسم (الرحمن) على طولها في حين ورد فيها اسم (الله) تعالى (87) سبعاً وثمانين مرة. فناسب كل تعبير مكانه. (شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ) لقد واجهوهم بالتكذيب صراحة بعد أن ذكروا ذلك ضمناً بقولهم (مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا) وقولهم (وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ). وكان النفي والإثبات بما وإلا في قوله 0قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا) وهنا بإنْ وإلا (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ.) ذلك أن (إنْ) أقوي في النفي من (ما) فوضع كل حرف في الموضع الذي يقتضيه ذلك أن قولهم (مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا) غير منكور وهو معلوم للجميع. أما قولهم (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ) فهو موضوع النزاع فإنه الوصف الذي يلصقه أهل القرية بهم ويدفعه المرسلون عن أنفسهم. فإن كونهم بشراً لا يحتاج إلى إثبات أو دليل بخلاف إثبات الكذب. وأهل القرية لم يذكروا بشريتهم إلا ليصلوا إلى تكذيبهم فإن الغرض من قولهم (مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا) ليس إثبات البشرية لهم وإنما هو إثبات الكذب عليهم فناسب ذكر أقوى الحرفين فيما فيه قوة إنكار ويحتاج إلى إثبات. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 53 إلى ص 58 1- تفسير ابن كثير 3/576 2- روح المعاني 22/221. 3- التفسير الكبير 26/52.

    — فاضل السامرائي

  • ( إن أنتم إلا مبطلون ) الروم - يقول الكفار: إن ما جئتم به من آية هي باطلة وليست حقاً . ( إن أنتم إلا مفترون ) هود - يقول هود عليه السلام لقومه : أي أنتم مفترون بعبادتكم غير الله تعالى . ( إن أنتم إلا تكذبون ) يس - يقول أصحاب القرية لرسلهم : أنتم تكذبون على الله بما جئتم به .

    — صالح التركي / من لطائف القرآن

ترجمات معاني الآية ١٥ من سورة يس

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(15) They said, "You are not but human beings like us, and the Most Merciful has not revealed a thing. You are only telling lies."
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال