الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿يحَسْرَةً﴾ : العامَّةُ على نصبِها. وفيه وجهان، أحدهما : أنها منصوبةٌ على المصدرِ، والمنادى محذوفٌ تقديره : يا هؤلاء تَحَسَّروا حسرةً. والثاني : أنها منونةٌ لأنها منادى منكورٌ فنُصِبت على أصلها كقوله :
٣٧٨٢ أيا راكباً إمَّا عَرَضْتَ فبَلِّغَنْنداماي مِنْ نَجْرانَ أنْ لا تَلاقِيا
ومعنى النداءِ هنا على المجازِ، كأنه قيل : هذا أوانُكِ فاحْضُرِي. وقرأ قتادةُ وأُبَيٌّ في أحدِ وجهَيْه :" يا حَسْرَةٌ " بالضم، جعلها مُقْبِلاً عليها، وأُبَيٌّ أيضاً وابن عباس وعلي بن الحسين ﴿يحَسْرَةً الْعِبَادِ﴾ بالإِضافة. فيجوزُ أَنْ تكونَ الحَسْرةُ مصدراً مضافاً لفاعلِه أي : يتحسَّرون على غيرهم لِما يَرَوْنَ مِنْ عذابهم، وأَنْ يكونَ مضافاً لمفعوله أي : يَتَحَسَّر عليهم غيرُهم. وقرأ أبو الزِّناد وابن هرمز، وابن جندب :" يا حَسْرَهْ " بالهاءِ المبدلةِ مِنْ تاءِ التأنيث وَصْلاً، وكأنَّهم أَجْرَوْا الوصلَ مُجْرى الوقفِ وله نظائرُ مَرَّتْ. وقال صاحب " اللوامح " :" وقفوا بالهاء مبالغةً في التحسُّر، لِما في الهاءِ من التَّأَهُّه بمعنى التأوُّه، ثم وصلوا على تلك الحال ". وقرأ ابن عباس أيضاً :" يا حَسْرَةَ " بفتح التاء من غير تنوين. ووجْهُها أنَّ الأصل : يا حَسْرتا فاجْتُزِئ بالفتحة عن الألف كما اجتُزِئ بالكسرةِ عن الياء ومنه :
٣٧٨٣ ولَسْتُ براجعٍ ما فاتَ مِنِّيبَلَهْفَ ولا بلَيْتَ ولا لو اني
أي : بلهفا بمعنى لَهْفي.
وقُرئ :" يا حَسْرتا " بالألف كالتي في الزمر، وهي شاهدةٌ لقراءةِ ابنِ عباس، وتكون التاءُ لله تعالى، وذلك على سبيل المجاز دلالةً على فَرْطِ هذه الحَسْرةِ، وإلاَّ فاللَّهُ تعالى لا يُوْصَفُ بذلك.
قوله :" ما يَأْتِيْهم " هذه الجملةُ لا مَحَلَّ لها ؛ لأنَّها مُفَسِّرةٌ لسبب الحسرةِ عليهم.
قوله :" إلاَّ كانوا " جملةٌ حاليةٌ مِنْ مفعولٍ " يَأْتيهم ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى