التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
وهنا يجئ الرد الذى يزلزلهم، عن طريق بيان بعض مشاهد يوم القيامة، فيقول - سبحانه - :﴿مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ. فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلاَ إلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾.
المراد بالصيحة هنا : النفخة الأولى التى ينفخها إسرافيل بأمر الله - تعالى - فيموت جميع الخلائق.
وقوله ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ أى : يختصمون فى أمور دنياهم. وفى هذا الفظ عدة قراءات سبعية.
منها قراءة أبو عمرو وابن كثير :﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ - بفتح الياء والخاء وتشديد الصاد مع الفتح - ومنها قراءة عاصم والكسائى :﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ بفتح الياء وكسر الخاء وتشديد الصاد مع الكسر.
ومنها قراءة حمزة ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ بإسكان الخاء وكسر الصاد مع التخفيف.
أى : أن هؤلاء الكافرين الذين يستنكرون قيام الساعة، ويستبعدون حصولها، جاهلون غافلون، فإن الساعة آتية لا ريب فيها، وستحل بهم بغتة فإنهم ما ينتظرون ﴿إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ يصيحها إسرافيل بأمرنا، فتأخذهم هذه الصيحة وتصعقهم وتهلكهم ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ أى : وهم يتخاصمون، ويتنازعون فى أمور دنياهم.
وعندما تنزل بهم هذه الصيحة، لا يستطيع بعضهم أن يوصى بعضا بما يريد أن يقول له ولا يستطيعون جميعا الرجوع إلى أهليهم، لأنهم يصعقون فى أماكنهم التى يكونون فيها عند حدوث هذه الصيحة.
فأنت ترى أن الآيتين الكريمتين قد اشتملتا على أبلغ تصوير لأهوال علامات يوم القيامة، ولسرعة مجئ هذه الأهوال.
أخرج الشيخان عن أبى هريرة قال : قال رسول الله ﷺ : " لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه، ولا يطويانه، وليتقومن الساعة والرجل يليط حوضه - أى يسده بالطين - فلا يسقى منه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن ناقته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فمه فلا يطعمها ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى