تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور

عن الكتاب
الجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً وقوله :﴿اليَوْمَ﴾ ظرف متعلق ب ﴿نَخْتِمُ﴾.
والقول في لفظ ﴿اليوم﴾ كالقول في نظائره الثلاثة المتقدمة، وهو تنويه بذكره بحصول هذا الحال العجيب فيه، وهو انتقال النطق من موضعه المعتاد إلى الأيدي والأرجل.
وضمائر الغيبة في { أفواههم أيديهم أرجلهم يكسبون عائدة على الذين خوطبوا بقوله :{ هذه جهنَّمُ التي كُنتم تُوعَدُون } [يس: ٦٣] على طريقة الالتفات. وأصل النظم : اليوم نختم على أفواهكم وتكلمنا أيديكم وتشهد أرجلكم بما كنتم تكسبون. ومواجهتهم بهذا الإِعلام تأييس لهم بأنهم لا ينفعهم إنكار ما أُطلعوا عليه من صحائف أعمالهم كما قال تعالى :﴿إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً﴾ [الإسراء: ١٤].
وقد طوي في هذه الآية ما ورد تفصيله في آي آخر فقد قال تعالى :﴿ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين﴾ [الأنعام: ٢٢٢٣] وقال :﴿وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون فكفى بالله شهيداً بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين﴾ [يونس: ٢٨٢٩].
وفي « صحيح مسلم » عن أنس قال رسول الله ﷺ " يخاطب العبد ربّه يقول : يا رب ألم تُجرني من الظلم ؟ فيقول : بلى، فيقول : إني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني، فيقول الله : كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً، فيُخْتم على فيه. فيقال لأركانه : انطقي، فتنطق بأعماله ثم يخلّى بينه وبين الكلام فيقول : بعداً لكنَّ وسُحْقاً فعنكُنّ كنتُ أناضل " وإنما طُوِي ذكر الداعي إلى خطابهم بهذا الكلام لأنه لم يتعلق به غرض هنا فاقتصر على المقصود.
وقد يخيل تعارض بين هذه الآية وبين قوله :﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون﴾ [النور: ٢٤]. ولا تعارض لأن آية يس في أحوال المشركين وآية سورة النور في أحوال المنافقين. والمراد بتكلم الأيدي تكلمها بالشهادة، والمراد بشهادة الأرجل نطقها بالشهادة، ففي كلتا الجملتين احتباك. والتقدير : وتكلمنا أيديهم فتشهد وتكلمنا أرجلهم فتشهد.
ويتعلق ﴿بِمَا كانُوا يَكْسِبون﴾ بكل من فعلي ﴿تكلمنا وتشهد﴾ على وجه التنازع. وما يكسبونه : هو الشرك وفروعه. وتكذيبهم الرسول ﷺ وما ألحقوا به من الأذى.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى