محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي

عن الكتاب
﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي عندما يجحدون ما اجترموه في الدنيا، ويحلفون ما فعلوه، فيختم الله على أفواههم، ويستنطق جوارحهم. قال الرازي : وفي الختم على الأفواه وجوه. أقواها أن الله يسكت ألسنتهم فلا ينطقون بها، وينطق جوارحهم فتشهد عليهم، وإنه في قدرة الله يسير. أما الإسكات فلا خفاء فيه. وأما الإنطاق فلأن اللسان عضو متحرك بحركة مخصوصة. فكما جاز تحركه بها، جاز تحرك غيره بمثلها. والله قادر على الممكنات. والوجه الآخر، أنهم لا يتكلمون بشيء، لانقطاع أعذارهم وانتهاك أستارهم. فيقفون ناكسي الرؤوس وقوف القنوط اليئوس، لا يجد عذرا فيعتذر، ولا مجال توبة فيستغفر. وتكلم الأيدي ظهور الأمور بحيث لا يسع معه الإنكار، حتى تنطق به الأيدي والأبصار. كما يقول القائل ( الحيطان تبكي على صاحب الدار ) إشارة إلى ظهور الحزن. والأول الصحيح. انتهى. أي لإمكانه وعدم استحالته. فلا تتعذر الحقيقة. ويؤيده آية (١) ﴿وقالوا لجلودهم لما شهدتم علينا، قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء﴾.
ومن لطائف بعض أدباء العصر ما نظمه في الفونغراف، مستشهدا به في ذلك، فقال :
ينطق الفونوغراف لنا دليلعلى نطق الجوارح والجماد
وفيه لكل ذي نظر مثالعلى بدء الخليقة والمعاد
يدير شؤونه فرد بصوربه الأصوات تجري كالمداد
فيثبت رسمها قلم بلوحعلى وفق المشيئة والمراد
وبعد فراغها تمضي كبرقولا أثر لها في الكون بادي
تظن بأنها ذهبت جفاءكما ذهبت بريح قوم عاد
وأحلى رنّها فيه لتبقىكأرواح تجرد عن مواد
متى شاء المدير لها معاداورام ظهورها في كل ناد
يدير الصور بالآلات قسرافينشر ميتها بعد الرقاد
وهذي آلة من صنع عبدفكيف بصنع خلاق العباد ؟
تبارك من يعيد الخلق طرّابنفخة صوره يوم التناد
١ [٤١ / فصلت / ٢١]..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى