جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىَ أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُواْ الصّرَاطَ فَأَنّىَ يُبْصِرُونَ * وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىَ مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُواْ مُضِيّاً وَلاَ يَرْجِعُونَ﴾.
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا على أعْيُنِهِمْ فاسْتَبَقُوا الصّراطَ فقال بعضهم : معنى ذلك : ولو نشاء لأعميناهم عن الهدى، وأضللناهم عن قصد المَحَجّة. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ يقول : أضللتهم وأعميتهم عن الهدى.
وقال آخرون : معنى ذلك : ولو نشاء لتركناهم عميا. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله : وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ فاسْتَبَقُوا الصّراطَ فَأنّى يُبْصِرُونَ قال : لو يشاء لطمس على أعينهم فتركهم عميا يتردّدون.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا على أعْيُنِهِمْ فاسْتَبَقُوا الصّرَاطَ فأنّى يُبْصِرُونَ يقول : لو شئنا لتركناهم عميا يتردّونه.
وهذا القول الذي ذكرناه عن الحسن وقتادة أشبه بتأويل الكلام، لأن الله إنما تهدّد به قوما كفارا، فلا وجه لأن يقال : وهم كفار، لو نشاء لأضللناهم وقد أضلهم، ولكنه قال : لو نشاء لعاقبناهم على كفرهم، فطمسنا على أعينهم فصيرّناهم عميا لا يبصرون طريقا، ولا يهتدون له والطّمْس على العين : هو أن لا يكون بين جفني العين غرّ، وذلك هو الشقّ الذي بين الجفنين، كما تطمس الريح الأثر، يقال : أعمى مطموس وطميس.
وقوله : فاسْتَبَقُوا الصّراطَ يقول : فابتدروا الطريق، كما :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : فاسْتَبَقَوا الصّرَاطَ قال الطريق.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة فاسْتَبَقُوا الصّراطَ : أي الطريق.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : فاسْتَبَقُوا الصّراطَ قال : الصراط، الطريق.
وقوله : فَأنّى يُبْصِرُونَ يقول : فأيّ وجه يبصرون أن يسلكوه من الطرق، وقد طمسنا على أعينهم، كما :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : فَأنّى يُبْصِرُون وقد طمسنا على أعينهم.
وقال الذين وجهوا تأويل قوله : وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا على أعْيُنِهِمْ إلى أنه معنيّ به العَمَى عن الهدى، تأويل قوله : فَأنّى يُبْصِرُونَ : فأنى يهتدون للحقّ. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس فَأتّى يُبْصِرُونَ يقول : فكيف يهتدون.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس فَأنّى يُبْصِرُونَ يقول : لا يبصرون الحقّ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى