جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :﴿ثُمّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدّمْتُمْ لَهُنّ إِلاّ قَلِيلاً مّمّا تُحْصِنُونَ﴾.
يقول : ثم يجيء من بعد السنين السبع التي تزرعون فيها دأبا، سنون سبع شداد يقول : جُدوب قحْطه يَأْكُلْنَ ما قَدّمْتُمْ لَهُنّ يقول : يؤكل فيهنّ ما قدمتم في إعداد ما أعددتم لهنّ في السنين السبعة الخصبة من الطعام والأقوات. وقال جلّ ثناؤه : يَأْكُلْنَ فوصف السنين بأنهنّ يأكلهن، وإنما المعنى : أن أهل تلك الناحية يأكلون فيهنّ، كما قيل :
| نَهارُكَ يا مَغْرُورُ سَهْوٌ وَغَفْلَةٌ | ولَيْلُكَ نَوْمٌ والرّدَى لكَ لازِم |
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله : يَأْكُلْنَ ما قَدّمْتُمْ لَهُنّ يقول يأكلن ما كنتم اتخذتم فيهنّ من القوت، إلاّ قَلِيلاً مِمّا تُحْصِنُونَ.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : ثُمّ يأْتي مِنْ بَعْدِ ذلكَ سَبْعٌ شِدَادٌ وهنّ الجدوب المحول، يَأْكُلْنَ ما قَدّمْتُمْ لَهُنّ إلاّ قَلِيلاً مِمّا تُحْصِنُونَ.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : ثُمّ يأْتي مِنْ بَعْدِ ذلكَ سَبْعٌ شِدَادٌ وهنّ الجدوب، يَأْكُلْنَ ما قَدّمْتُمْ لَهُنّ إلاّ قَلِيلاً مِمّا تُحْصِنُونَ : مما تدّخرون.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله : إلاّ قَلِيلاً مِمّا تُحْصِنُونَ يقول : تَخزُنون.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس : تُحْصِنُون : تحرزون.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : يَأْكُلْنَ ما قَدّمْتُمْ لَهُنّ إلاّ قَلِيلاً مِمّا تُحْصِنُونَ قال : مما ترفعون.
وهذه الأقوال في قوله : تَحْصِنُونَ وإن اختلفت ألفاظ قائليها فيه، فإن معانيها متقاربة، وأصل الكلمة وتأويلها على ما بيّنت.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
١٩٣٧٠ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: قال لهم نبيّ الله يوسف: (تزرعون سبع سنين دأبًا) الآية، فإنما أراد نبيُّ الله ﷺ البقاء.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلا قَلِيلا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨)﴾
قال أبو جعفر: يقول: ثم يجيء من بعد السنين السبع التي تزرعون فيها دأبًا، سنون سبع شداد، يقول: جدوب قحطة= (يأكلن ما قدمتم لهن)، يقول: يؤكل فيهنّ ما قدمتم في إعداد ما أعددتم لهن في السنين السبعة الخصبة من الطعام والأقوات.
* * *
وقال جل ثناؤه: (يأكلن)، فوصف السنين بأنهن (يأكلهن)، وإنما المعنى: أن أهل تلك الناحية يأكلون فيهن، كما قيل: (١)
| نَهَارُكَ يَا مَغْرُورُ سَهْوٌ وَغَفْلَةٌ | وَلَيْلُكَ نَوْمٌ والرَّدَى لَكَ لازِمُ (٢) |
(٢) الأخبار الطوال: ٣٣٣، سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي: ٢٢٥، تاريخ ابن كثير ٩: ٢٠٦، وغيرها، يقول:
| أَيَقْظَانُ أَنْتَ اليَوْمَ أَمْ أَنْتَ حَالِمُ | وكيف يطيق النَّوْمَ حَيْرَانُ هَائِمُ |
| فَلَوْ كُنْتَ يَقْظَانَ الغَدَاةَ لَحَرَّقَتْ | مَحَاجِرَ عَيْنَيْكَ الدُّمُوعُ السَّوَاجِمُ |
| بَلَ أَصْبَحْتَ فِي النَّوْمِ الطَّوِيلِ وَقَدْ دَنَتْ | إلَيْكَ أُمُورٌ مُفْظِعَاتٌ عَظَائمُ |
| نَهَارُكَ يَا مَغْرُورُ سَهْوٌ وَغَفْلَةٌ | ولَيْلُكَ نَوْمٌ، وَالرَّدَى لك لاَزِمُ |
| تُسَرُّ بِمَا يَبْلَى، وَتُشْغَلُ بِالمُنَى | كَمَا سُرَّ بِالأَحْلامِ فِي النَّوْم نَائِمُ |
| وَسَعْيُكَ فِيما سَوْفَ تَكْرَهُ غِبَّهُ | كَذَلِكَ فِي الدُّنْيَا تَعِيشُ البَهَائِمُ |
| فَلا أَنْتَ فِي النُّوَّامِ يَوْمًا بِسَالِمٍ | وَلا أَنْتَ فِي الأيْقَاظِ يَقْظَانُ حَازِمُ |
* * *
= (إلا قليلا مما تحصنون)، يقول: إلا يسيرًا مما تحرزونه.
* * *
والإحصان: التصيير في الحصن، وإنما المراد منه الإحراز.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
١٩٣٧١ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله: (يأكلن ما قدمتم لهن)، يقول: يأكلن ما كنتم اتخذتم فيهن من القوت = (إلا قليلا مما تحصنون).
١٩٣٧٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: (ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد)، وهنّ الجدوب المحُول = (يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون).
١٩٣٧٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: (ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد)، وهن الجدوب، (يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون)، مما تدَّخرون.