التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
وقولوا كذلك على سبيل زيادة التأكيد، إن كنت في شك من قولنا هذا فاسأل ﴿القرية التي كُنَّا فِيهَا﴾ والمراد بالقرية أهلها.
أى : فأرسل من تريد إرساله إلى أهل القرية التي حصلت فيها حادثة السرقة فإنهم سيذكرون لك تفاصيلها.
قالوا : ومرادهم بالقرية مدينة مصر التي حدث فيها ما حدث، وعبروا عنها بالقرية لأنهم يقصدون مكانا معيناً منها، وهو الذي حصل فيه التفتيش لرحالهم، والمراجعة بينهم وبين عزيز مصر ومعاونيه.
وقوله :﴿والعير التي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ معطوف على ما قبله.
أى : اسأل أهل القرية التي كنا فيها، واسأل ﴿العير﴾ أى : قوافل التجارة التي كنا فيها عند ذهابنا وإيابنا فإن أصحاب هذه القوافل يعلمون ما حدث من ابنك " بنيامين ".
وقوله ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ أى : وإنا لصادقون في كل ما أخبرناك به. فكن واثقاً من صدقنا.
وقد ختم كبيرهم كلامه بهذه الجملة، زيادة في تأكيد صدقهم، لأن ماضيهم معه يبعث على الريبة والشك، فهم الذين قالوا له قبل ذلك في شأن يوسف :﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ثم ألقوا به الجب، ﴿وجآءوا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ﴾ وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد صورت بأسلوب حافل بالإِثارة والمحاورة، والأخذ والرد، والترغيب والترهيب.. ما دار بين يوسف وإخوته عندما قدموا إليه للمرة الثانية ومعهم شقيقة " بنيامين ".
فماذا كان بعد ذلك ؟ لقد كان بعد ذلك أن عاد الإِخوة إلى أبيهم وتركوا بمصر كبيرهم وأخاهم بنيامين، ويطوى القرآن الحكيم - على عادته في هذه السورة الكريمة - أثر ذلك على قلب أبيهم المفجوع، إلا أنه يسوق لنا رده عليهم، الذي يدل على كمال إيمانه، وسعة آماله في رحمة الله - تعالى - فيقول :
﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ...﴾

تفسير هذه الآية من كتب أخرى