البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة
عن الكتاب
قلت : جواب ( لولا ) : محذوف، أي : لولا أن تفندون لقلت إنه قريب، أو لصدقتموني.
﴿ولما فَصَلَتِ العيرُ﴾ من مصر، وخرجت من عمارتها، ﴿قال أبوهم﴾ لمن حضره :﴿إني لأجِدُ ريحَ يوسف﴾ ؛ أوجده الله، ريح ما عَبَق من قميصه حين أقبل إليه به يهوذا من ثمانين فرسخاً ؛ لأن يعقوب كان إذ ذاك ببيت المقدس، ويوسف بمصر، ﴿لولا أن تُفَنِّدون﴾ ؛ تنسبوني إلى الفِند، وهو : نُقصان عَقْلِ يحدث من هِرَم. ولذلك لا يقال عجوز مفندة ؛ لأن نقصان عقلها ذاتي. أي : لولا أن تحمِّقوني لقلت إنه قريب، أو لصدقتموني في ذلك، أو لولا أن تلوموني، وتردوا عليّ قولي لقلت إنه ريح يوسف.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الإشارة : اعلم أن الحق ـ جل جلاله ـ جعل للبشرية عَيْنَين حسيين : تبصر بهما الحسيات، وجعل للقلب عينين معنويين يرى بهما المعاني. فالأول : يسمى البصر، والثاني : البصيرة : فأحد عيني القلب تبصر أنوار الشريعة، والأخرى تبصر أسرار الحقيقة. وقد يغشى القلب ظلمةُ الكفر، فتغطيهما معاً، وهو : عمى البصيرة. وقد يغشاه ظلمة المعاصي، واتباع الحظوظ والهوى، فتعمى عين الحقيقة، وتضعف عين الشريعة، ودواؤهما : إلقاء قميص المعرفة على وجه عين الحقيقة، وجلباب العصمة على عين الشريعة، فيرجع القلب بصيراً. ولا بد من صحبة شيخ عارف يعطيه هذا القميص، ويقول : اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه بصيرتكم، تأتي بصيرة عارفة، فإذا قرب منها هذا القميص هبَّ عليها نسيم الوصال، وهاج عليها الوجدُ والحالُ. وأنشدت بلسان المقال :
﴿ولما فَصَلَتِ العيرُ﴾ من مصر، وخرجت من عمارتها، ﴿قال أبوهم﴾ لمن حضره :﴿إني لأجِدُ ريحَ يوسف﴾ ؛ أوجده الله، ريح ما عَبَق من قميصه حين أقبل إليه به يهوذا من ثمانين فرسخاً ؛ لأن يعقوب كان إذ ذاك ببيت المقدس، ويوسف بمصر، ﴿لولا أن تُفَنِّدون﴾ ؛ تنسبوني إلى الفِند، وهو : نُقصان عَقْلِ يحدث من هِرَم. ولذلك لا يقال عجوز مفندة ؛ لأن نقصان عقلها ذاتي. أي : لولا أن تحمِّقوني لقلت إنه قريب، أو لصدقتموني في ذلك، أو لولا أن تلوموني، وتردوا عليّ قولي لقلت إنه ريح يوسف.
| سُوَيْداء قََلْبِي أَصْبَحَت حَرماً لَكُم | تَطُوفُ بها الأسرارُ من عَالَم اللُّطف |
| وسائلُ ما بينَ المُحبِّين أَصْبَحَتْ | تَجِلُّ عن التَّعْرِيفِ والرَّسم والعُرْفِ |
| رَسَائِل جَاءَتْنا بِِرُؤْيَا جَنَابِكُمْ | عَوارِِفُ عُرف فَاقَ كُلَّ شّذا عَرف |