ومِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ ٤٢ ومِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ ولَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ ٤٣ إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً ولَـكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ٤٤
لما أنبأ الله رسوله بأن من قومه من لا يؤمن بهذا القرآن حالا ولا استقبالا ؛ إذ لا ينفعهم البيان مهما يكن ناصعا، ولا يقنعهم البرهان وإن كان قاطعا ؛ وإن الذي عليه في المصرين على تكذيبه منهم بعد ما جاءهم به من الآيات، التي دمغتهم بالحجج البينات، أن يتبرأ منهم، وينتظر أمر الله فيهم، كان من شأن هذا النبأ أن يثير عجبه لغرابته في نفسه، وأن يسوءه لما يشير إليه من انتقام الله منهم، بين له مثل الذين فقدوا الاستعداد للإيمان، وعلمه ما لم يكن يعلمه من سنة الله تعالى فيهم، وكون مصيبتهم من أنفسهم، فلا حول له ولا قوة على هدايتهم.
فقال :
ومِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أي يصيخون بأسماعهم مصغين إليك إذا قرأت القرآن، أو بينت ما فيه من أصول الإيمان والأحكام، ولكنهم لا يسمعون إذ يستمعون، إذ لا يتدبرون القول، ولا يعقلون ما يراد به، ولا يفقهون ما يرمى إليه، لأن الاستماع إليك مقصود عندهم لذاته لا لما يراد به، وهي بلاغته في غرابة نظمه، وجرس الصوت بترتيله، كمن يستمع إلى طائر يغرد على فننه، ليستمتع بصوته لا ليفهم منه، كما قال : مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وهُمْ يَلْعَبُونَ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ [ الأنبياء : ٢، ٣ ] أو كالبهائم يصيح بها الراعي فترفع رؤوسها لاستماع صوته الذي راعها فصرفها عن رعيها، كما قال : ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء ونِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ [ البقرة : ١٧١ ] أو كما قال : ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا [ الأنعام : ٢٥ ]، والقاعدة الطبعية الشرعية أن الأمور بمقاصدها. ونحن نرى كثيرا من الناس يقصدون قراء القرآن في ليالي رمضان أو في المآتم ليستمعوا إلى فلان القارئ الحسن الصوت لغرض التلذذ بترتيله وتوقيع صوته أو بلاغته، ولا أحد منهم ينتفع بشيء من مواعظ القرآن ونذره، وحكمه وعبره، ولا عقائده وأحكامه، ومنهم المسلمون وغير المسلمين، بل سمعت بأذني من غير المسلمين من يستمع القرآن ويعجب من شدة تأثيره وتغلغله في أعماق القلب وهو لا يؤمن به، ولهذا قال تعالى :
أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ هذا الاستفهام للإنكار، يعني أن السماع النافع للمستمع هو ما عقل به ما يسمعه وفقهه وعمل بمقتضاه، فمن فقد هذا كان كالأصم الذي لا يسمع، و أنت أيها الرسول لم تؤت القدرة على إسماع الصم- أي فاقدي حاسة السمع حقيقة- فكذلك لا تستطيع الإسماع النافع الصم مجازا -وهم الذين لا يعقلون ما يسمعون، ولا يفقهون معناه، فيهتدوا به- والبلاغة في ظاهر تعبير الآية وصفهم بفقد السمع والعقل معا، وهو مجاز قطعا ؛ لأن من فقد الحس والعقل حقيقة لا يكون مكلفا. وإذ كان المراد بالعقل المنفي هنا عقل الكلام وفقهه فهو يقتضي ثبوت السماع ونفي الصمم الحقيقيين.
ومِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ ٤٢ ومِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ ولَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ ٤٣ إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً ولَـكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ٤٤
لما أنبأ الله رسوله بأن من قومه من لا يؤمن بهذا القرآن حالا ولا استقبالا ؛ إذ لا ينفعهم البيان مهما يكن ناصعا، ولا يقنعهم البرهان وإن كان قاطعا ؛ وإن الذي عليه في المصرين على تكذيبه منهم بعد ما جاءهم به من الآيات، التي دمغتهم بالحجج البينات، أن يتبرأ منهم، وينتظر أمر الله فيهم، كان من شأن هذا النبأ أن يثير عجبه لغرابته في نفسه، وأن يسوءه لما يشير إليه من انتقام الله منهم، بين له مثل الذين فقدوا الاستعداد للإيمان، وعلمه ما لم يكن يعلمه من سنة الله تعالى فيهم، وكون مصيبتهم من أنفسهم، فلا حول له ولا قوة على هدايتهم.
تفسير المنار
رشيد رضا